المستجدات الدستورية في تعديلات «الضمان الاجتماعي»
أ. د. ليث كمال نصراوين
أعلنت لجنة العمل النيابية قبل أيام تأجيل النظر في مشروع قانون الضمان الاجتماعيالمعدل، وذلك لكي تتمكن الحكومة من مراجعة التعديلات التي جرى تقديمها عليه منالناحية الاكتوارية، وقياس أثرها على استدامة النظام التأميني، ومدى توافقها معالأهداف الرامية إلى الحفاظ على ديمومة مؤسسة الضمان الاجتماعي.
ويكشف هذا القرار عن إدراك نيابي وحكومي لطبيعة قانون الضمان الاجتماعي بوصفهمن أكثر التشريعات تعقيدا. فهو لا ينظم علاقة آنية بين الفرد ومؤسسة وطنية، بليؤسس لنظام تأميني طويل الأمد يقوم على توازنات دقيقة بين الإيرادات المتحققةوالالتزامات المالية المستقبلية، ويستند إلى معطيات اكتوارية معقدة ومتشابكة تتعلقبأعمار المشتركين، ونسب الاشتراك المقررة عليهم، وآليات تنظيم سوق العمل. وهيعناصر لا تحتمل المعالجة العفوية أو المتعجلة، ولا تقبل التقدير السياسي المجرد،الأمر الذي يفسر التريث في إقراره وإخضاعه لدراسة معمقة تكفل استدامته.
وتثير هذه التطورات تساؤلا دستوريا مباشرا يتعلق بمصير مشروع القانون المعدلالذي أقرته الحكومة وأحالته إلى مجلس النواب. فمن الناحية الدستورية، لا يزال هذاالمشروع قائما ضمن مساره التشريعي، ولم يخرج منه. فالحكومة لم تعلن صراحةسحبها لمشروع القانون، ولا يجوز فهم ذلك على نحو ضمني، حتى مع إعلانها إخضاعهلدراسة اكتوارية جديدة. فالسحب قرار حكومي صريح يوجه إلى مجلسي الأعيان أوالنواب، ويتضمن طلب استرداد مشروع القانون في أي مرحلة كان عليها. وبناء علىذلك، فإن بقاء المشروع لدى اللجنة النيابية المختصة، مهما طالت مدة دراسته، لا يعدسحبا ضمنيا، لأن السحب إجراء صريح يتطلب إعلانا واضحا، وهو ما لم يحدث فيالواقع العملي.
ولا يغير من هذه النتيجة أن الحكومة طلبت التريث في إقرار المشروع لإعادة دراسةالتعديلات في ضوء التوصيات المقدمة من لجنة العمل النيابية، لأن هذا الطلب يؤكدأن المشروع لا يزال في طور التفاعل المؤسسي بين السلطتين الدستوريتين، وليس فيحالة جمود تشريعي. فإذا أفضت هذه الدراسة إلى تصورات جديدة تتصل بآليةاستحقاق الرواتب التقاعدية والمنافع التأمينية، فإن الحكومة تملك، وفقا للأصولالدستورية، سحب المشروع القائم والتقدم بمشروع معدل جديد.
وعند هذه النقطة تحديدا، تبرز مشكلة أوسع من مجرد مصير مشروع بعينه، وتتعلقبقدرة النظام الداخلي لمجلس النواب على استيعاب الحالات التي تفرزها الممارسةالتشريعية. فاللجان النيابية تمثل المرحلة الفنية الأهم في ممارسة الوظيفة التشريعية،حيث يعاد فيها تشكيل المشروع وإعادة صياغته بما ينسجم مع الاعتبارات السياسيةوالاقتصادية والاجتماعية.
غير أن هذا الدور الحيوي لم يقابله تنظيم قانوني كاف، ولا سيما في ما يتعلق بغيابأطر زمنية واضحة لإنجاز أعمال اللجان، الأمر الذي قد يفضي إلى إبقاء مشاريع القوانينقيد الدراسة لفترات طويلة دون حسم. وقد شهدت الممارسة التشريعية الأردنيةنماذج دالة على ذلك، من أبرزها قانون تنظيم المدن والقرى المؤقت لعام 1966، الذيما يزال حبيس أدراج اللجان النيابية منذ سنوات، رغم طبيعته كقانون مؤقت يفترضعرضه على مجلس الأمة وإقراره خلال مدة زمنية معقولة.
ولا يقف القصور عند مسألة الزمن التشريعي، بل يمتد أيضا إلى غياب آلية مؤسسيةواضحة تنظم التواصل بين اللجان النيابية والحكومة، بما يتيح إحالة مقترحات اللجانإلى مجلس الوزراء لدراستها وإبداء الرأي فيها قبل استكمال المسار التشريعي. ومنشأن اعتماد مثل هذه الآلية أن يختصر الوقت والجهد، وأن يهيئ لعرض مشروع القانونعلى مجلس النواب بعد تحقيق قدر مناسب من التوافق بين السلطتين.
وعليه، لا يمكن القول إن مشروع قانون الضمان الاجتماعي قد دخل حالة الجمود، بلإنه ما يزال في صلب التفاعل المؤسسي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وهذافارق جوهري، لأن تعثر بعض مشاريع القوانين يعود إلى توقفها عن المسار الفعليبشكل متعمد أحيانا، بينما يرتبط الوضع القائم هنا بتعقيد المقترحات المطروحةوضرورة إخضاعها لتقييم فني دقيق.
ومع ذلك، فقد زاد من تعقيد المشهد اقتراب انتهاء الدورة العادية الحالية لمجلسالأمة، في ظل مؤشرات على عدم التوجه لعقد دورة استثنائية قريبة، مما عزز الانطباعبإرجاء المشروع لأجل غير مسمى. غير أن هذا البعد الزمني لا ينبغي تفسيره على أنهتراجع عن إصلاح منظومة الضمان الاجتماعي، بل يعكس الحاجة إلى معالجة المشروعضمن أسس فنية ومالية رصينة تكفل حماية حقوق الأردنيين في التأمينات الاجتماعيةبصورة عادلة ومستدامة.
وفي ضوء ذلك كله، تبرز الحاجة إلى مراجعة النظام الداخلي لمجلس النواب، بما يكفلتنظيم الحالات التشريعية التي يفرزها الواقع العملي، بدلا من تركها للاجتهاد أو الاستنادإلى المبادئ العامة ذات الصلة بالتشاركية بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. فالإشكالية لا تكمن في طبيعة عمل اللجان النيابية، بل في غياب إطار زمني ينظمممارستها، ويحدد على نحو دقيق الفرق بين التعطيل الناتج عن الإهمال، والتريثالمبرر الذي تفرضه طبيعة التشريع، كما هو الحال في مشروع قانون الضمانالاجتماعي.الرأي
أستاذ القانون الدستوري في الجامعة الأردنية