منتدى المدارس العصرية تستضيف زيد حمزة

8

العقبة الأخباري-استضاف منتدى المدارس العصرية مساء الأربعاء الطبيب والسياسيالأردني  الدكتور زيد حمزة في محاضرة حملت عنوان «بعد 94 عاماًخلاصات تجربتيفي الحياة»، وأدار المحاضرة الدكتور أسعد ، وذلك وسط حضور نوعي ضم جمهوراًواسعاً متنوعاً اشتمل على شخصيات سياسية وفكرية وأكاديمية وثقافية وإعلاميةوعدد من المهتمين بالشأن العام.

وشهدت المحاضرة تفاعلاً واسعاً من الحضور الذين شاركوا بمداخلات وأسئلة تناولتقضايا الفكر والعمل العام والنضال الوطني والتحولات التي شهدها الأردن والمنطقةعلى امتداد عقود طويلة.

وفي تقديمه للمحاضر، أكد الدكتور أسعد أن الحديث عن الدكتور زيد حمزة لا يحتاجإلى استعراض تقليدي لسيرته الذاتية أو تعداد محطاته المهنية والوطنية المعروفة،بقدر ما يحتاج إلى التوقف عند القيم والمعاني التي جسدتها هذه التجربة. وقال إنهعرف الدكتور حمزة منذ سبعينيات القرن الماضي، وتعلم منه الكثير، وفي مقدمة ذلكأن العمل العام والخدمة العامة لا يرتبطان بالضرورة بالصوت المرتفع أو الخطاباتالحماسية، بل قد يتحققان بقدر أكبر من التأثير عبر النزاهة والهدوء والالتزام بالمبدأ. وأضاف أن الدكتور حمزة يمثل نموذجاً نادراً في الحياة العامة، وأنه من أكثر الأشخاصاستقامةً وعطاءً ممن عرفهم عبر مسيرته الطويلة.

من جانبه، استهل الدكتور زيد حمزة حديثه بالتأكيد أنه لا يرغب في التركيزعلى فيتقديم سيرة ذاتية أو استعراض شخصي لمسار حياته، بقدر ما يريد التوقف عند بعضالدروس والخبرات التي قد تكون ذات فائدة للأجيال الجديدة، مؤكداً أن الإنسان لايعيش معزولاً عن محيطه، وأن الشعوب لا تربطها المصالح العابرة فقط، بل تجمعهاأيضاً روابط فكرية وإنسانية وحضارية عميقة.

واستعاد حمزة صوراً من الأردن في سنواته الأولى، حين كانت الدولة ما تزال في بداياتتشكلها، وكانت عمّان بلدة صغيرة محدودة الإمكانات، قبل أن يشهد بنفسه مراحلالتحول والبناء التي مرت بها البلاد خلال العقود اللاحقة. كما استذكر طفولته التيتزامنت مع السنوات الأولى للاستقلال، في مرحلة كانت فيها الدولة تبني مؤسساتهاالأساسية وتشق طريقها وسط تحديات سياسية واقتصادية كبيرة.

وتوقف د.حمزة مطولاً عند مرحلة التكوين الأولى، معتبراً أن السنوات المبكرة من حياةالإنسان هي التي ترسم ملامح شخصيته الفكرية والأخلاقية، ومستعيداً وصية أحدمعلميه يوم التخرج حين قال لطلبته: “ليكن لكل واحد منكم مبدأ في هذه الحياة”. وقال إن هذه العبارة البسيطة ظلت ترافقه طوال عمره، وإنه أدرك مع مرور الزمن أنالإنسان قد يحقق نجاحات مهنية أو اجتماعية كثيرة، لكنه يفقد أهم ما يملك إذا تخلىعن مبدئه أو ساوم عليه، معتبراً أن المبدأ كان البوصلة التي وجهت خياراته في مختلفمحطات حياته.

وتناول المحاضر محطات متعددة من تجربته التعليمية واستخلاصاته الفكرية، متوقفاًعند سنوات الدراسة في القاهرة في الخمسينيات من القرن الماضي التي وصفها بأنهاشكلت محطة مهمة في بناء الوعي والانفتاح على التيارات الفكرية والسياسيةالمختلفة، وأسهمت في توسيع أفقه المعرفي وفهمه للعالم وقضاياه، كما أتاحت لهالتعرف إلى أجيال وشخصيات وأفكار تركت أثرها في مسيرته اللاحقة.

كما استعرض جانباً من تجربته في العمل الطبي والنقابي والعام، متحدثاً عن التحولاتالتي شهدها الأردن منذ ستينيات القرن الماضي، والدور الذي لعبته النقابات المهنية فيالحياة العامة، وما رافق ذلك من تحديات وأسئلة مرتبطة بالمسؤولية الوطنية والعملالمؤسسي وخدمة المجتمع.

وفي سياق حديثه عن القضية الفلسطينية، أكد حمزة أن فلسطين لم تكن بالنسبةلجيله مجرد عنوان سياسي، بل قضية ارتبطت بالوعي والوجدان والسلوك اليومي،مشيراً إلى محطات من تجربته وعلاقته بالحركة الوطنية الفلسطينية وما رافقها منأحداث وتحولات مفصلية في تاريخ المنطقة.

وتطرق كذلك إلى مفهوم النضال ومعناه الحقيقي، مميزاً بين من يجعلون من القضاياالعامة التزاماً أخلاقياً وموقفاً عملياً يدفعون ثمنه، وبين من يكتفون بالشعارات أوباستثمار القضايا الكبرى لتحقيق مكاسب شخصية أو معنوية. وأكد أن الزمن يبقىالاختبار الأكثر دقة في فرز المواقف، وأن التاريخ لا يحتفظ بالضجيج بقدر ما يحتفظبالأثر.

كما توقف عند جملة من الدروس التي استخلصها من عقود طويلة من العمل العام،مؤكداً أن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وأن احترام الإنسان لذاته يبدأ من احترامهلقيمه ومبادئه، وأن المجتمعات لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالعمل المتواصلوالإيمان بالقضايا العادلة والقدرة على تحويل الأفكار إلى ممارسة يومية.

وفي جانب آخر من المحاضرة، قدم حمزة مجموعة من التأملات الإنسانية المرتبطةبالعمر الطويل وتجربة الحياة، متحدثاً عن أهمية الفضول المعرفي والاستمرار فيالقراءة والتعلم والانشغال بقضايا الناس، باعتبارها عوامل أساسية في الحفاظ علىالحيوية الذهنية والنفسية. ورأى أن الإنسان لا يتقدم في العمر بسبب عدد السنواتالتي يعيشها فقط، بل حين يفقد قدرته على التساؤل والتعلم والحلم، مؤكداً أن النشاطالحقيقي يبدأ من العقل قبل أي شيء آخر، وأن البقاء قريباً من الناس ومن الشأن العاميمنح الحياة معناها المتجدد.

وبدت المحاضرة أقرب إلى شهادة فكرية ووطنية وإنسانية على مرحلة كاملة من تاريخالأردن والمنطقة، أكثر من كونها استعادة لسيرة شخصية؛ إذ انتقلت بين محطاتالتأسيس والتعليم والعمل العام والقضية الفلسطينية والنقابات والتحولات السياسيةوالاجتماعية، فيما ظل خيط واحد يجمع مختلف محاورها: قيمة المبدأ في حياةالإنسان. واختزلت المحاضرة، بكل ما حملته من ذكريات وتجارب وتأملات، خلاصةأربعة وتسعين عاماً في فكرة مركزية واحدة: قد تتغير الأزمنة والظروف والمواقع، لكنما يبقى في نهاية المطاف هو المبدأ.

وفي ختام الأمسية، دار حوار موسع بين المحاضر والحضور تناول عدداً من القضاياالفكرية والوطنية والإنسانية التي أثارتها المحاضرة وفي طليعتها الحرية، قبل أن يقدّمالدكتور أسعد عبد الرحمن درعاً تكريمياً للدكتور زيد حمزة تقديراً لمسيرته الوطنيةوالفكرية والإنسانية الممتدة.

Screenshot
قد يعجبك ايضا