رحيل المايسترو: اللحن الأخير للرجل الذي قاد اقتصاد العالم

8

العقبة الأخباري- في الثاني والعشرين من يونيو (حزيران) عام 2026، صمت واحد من أعقد العقول المالية  في التاريخ الحديث. رحل ألان غرينسبان عن عمر يناهز المائة عام، بعد حياة طويلة  لم تكن سوى رحلة فريدة بين نغمات الموسيقى ولغة الأرقام، صعد خلالها ليصبح   واحداً  من أكثر الشخصيات تأثيراً في العالم.

بدأت الحكاية في أحياء نيويورك القديمة وتحديداً في «واشنطنهايتس»، حيث كان هناك فتى نحيل يرتدي نظارات طبية سميكة يُدعى ألان. لم يكنكبقية أقرانه؛ فبينما كان الأطفال يعشقون لعبة البيسبول من أجل متعة اللعبوالركض، كان ألان يعشقها لسبب مختلف تماماً: الإحصائيات.

كان يجلس على المدرجات وبيده دفتر صغير، يسجل فيه معدلات الضرب، ونسبالفوز، وتحركات اللاعبين. بالنسبة له، لم يكن العالم فوضى، بل كان سيمفونية ضخمةمن الأرقام المنتظمة، وفق «بلومبرغ».

من مسرح السوينغ إلى دهاليز الاقتصاد

كبر ألان ولم يغادره شغفه بالرتم والنغم، فالتحق بمعهد «جوليارد» الشهير لدراسةالموسيقى. سرعان ما وجد نفسه عازفاً لآلة الكلارينيت والساكسفون في فرقة «هنريجيروم» لموسيقى السوينغ. كان يتنقل من مدينة إلى أخرى، يتقاضى ستة دولارات فيالأسبوع، ويعزف جنباً إلى جنب مع أساطير الموسيقى.

لكن في الحافلة، بين الحفلات الموسيقية، لم يكن ألان يقرأ المجلات الفنية. كان يلتهمكتب الاقتصاد والمالية. اكتشف أن الاقتصاد يشبه الموسيقى تماماً: له إيقاع، وفيهتوازن، وأي نغمة خاطئة قد تُفسد اللحن بأكمله.

قرر ألان أن يضع «الكلارينيت» جانباً، ليعزف على أوتار أكبر بكثير: اقتصاد الولاياتالمتحدة.

المايسترو وصدمات السوق

مرت السنوات، وأثبت ألان ذكاءً خارقاً في التنبؤ بالأزمات من خلال مراقبة تفاصيلصغيرة يهملها الجميع، مثل حركة شاحنات البضائع وصناعة صناديق الشحن. هذاالذكاء قاده في عام 1987 ليصبح رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهو المنصبالذي يجعله عملياً «قبطان» السفينة المالية العالمية.

أُطلق عليه لقب «المايسترو». عندما كان يتحدث، كان العالم بأسره يصمت لينصت. كانت كلماته غامضة ومدروسة بدقة؛ فلو قال كلمة إيجابية، انتعشت أسواق البورصةفي طوكيو ولندن ونيويورك، ولو لمّح بالخطر، انكمشت الأسواق خوفاً. قاد الاقتصاد عبرفترات ازدهار تاريخية، وظن الجميع أنه الساحر الذي لا يخطئ أبداً.

اللحن الأخير والدرس القاسي

ولكن، كما هو الحال في بعض المعزوفات المعقدة، تأتي أحياناً نهاية غير متوقعة.

في سنواته الأخيرة قبل التقاعد، كان هناك «لحن خفي» يرتفع في الأفق دون أن يلتفتإليه أحد بجدية: فقاعة العقارات والقروض التي لا يستطيع الناس سدادها.

آمن ألان بأن الأسواق قادرة على تصحيح نفسها بنفسها، لكن الإيقاع تفرّق هذه المرة. فبعد خروجه من منصبه بفترة وجيزة، انفجرت الأزمة المالية العالمية عام 2008،واهتز العالم بعنف.

وقف «المايسترو» العجوز يوماً أمام الكونغرس، وبكل شجاعة وصراحة، نظر إلىالحضور وقال: «لقد كنت مصيباً في 70 في المائة من الأوقات، لكنني أخطأت في 30 في المائة. لقد صُدمت لأن النظام الذي آمنت به لم يحمِ نفسه كما كنت أتوقع».

الغروب

في سنواته الأخيرة، عندما بلغ المائة من عمره، كان ألان يجلس في بيته الهادئ. لم يعديتابع شاشات البورصة الحمراء والخضراء بنفس الشغف، بل عاد بالذاكرة إلى ذلكالفتى الصغير الذي كان يجمع إحصائيات البيسبول، وإلى الشاب الذي كان يعزفالكلارينيت في ليالي نيويورك الباردة.

رحل «المايسترو» تاركاً خلفه درساً عميقاً للبشرية: أن الاقتصاد، كالحياة تماماً، مهماحاولت ضبط أرقامه وقوانينه، سيبقى دائماً مليئاً بالمفاجآت التي لا يمكن لأي ساحر أنيتوقعها بالكامل.الشرق الأوسط

قد يعجبك ايضا