من يوميات طبيب في الأرياف

22

د.محمد رسول الطراونة

بعد إنهاء فترة الامتياز، وقبل أن أتخيل نفسي في عيادة خاصة أو مستشفى مجهزبأحدث الأجهزة، التحقت بوزارة الصحة وعُيّنت في أحد المراكز الصحية في إحدى قرىجنوب الكرك. كنت أظن أن السنوات الست في كلية الطب أعدتني لكل شيء، لكنالحقيقة أن تلك القرية الجبلية النائية كانت أستاذاً لم يُذكر في أي كتاب.

في الأسبوع الأول، صدمتني قصة استهلاك المضادات الحيوية. دخلت عجوز إلىعيادتي تشتكي من زكام عادي، وأخرجت من حقيبتها علبة مضاد حيوي(أموكسيسيلين) نصف فارغة. قالت بكل بساطة: «هذه من الشهر الماضي، أعطانيإياها جاري لولدي عندما أصيب بالتهاب الحلق». لم يكن الأمر غريباً هنا؛ فالناسيستقرضون المضادات الحيوية كاستعارتهم الملح والقهوة، «دواء العضال» هكذايسمونه، يتناولونه لكل مرض: للزكام والرشح ولوجع الضرس وللحمى، لا يدرون أنهميزرعون في أجسادهم بكتيريا عصية على كل علاج.

أتذكر حالة أم جاءت بابنتها الصغيرة تعاني إسهالاً حاداً بعد أن أعطتها جارتها «بقيةدواء الحلق» الذي وصفه الطبيب لطفلها قبل أشهر. اشتطت غيظاً وأنا أحاول إنقاذالطفلة من الجفاف، وأشرح للأم أن المضاد الحيوي لا يعالج الفيروسات، بل يقتلالبكتيريا النافعة في الأمعاء.

العبرة للأطباء الشباب: لا تظن أن وصفك الدواء ينتهي عند حدود الورقة (الوصفة) التيتسلمها للمريض، بل عليك أن تشرح وتكرر الشرح، وأن تتابع؛ لأن غياب التوعية قديحول دواءً ناجحاً إلى سم بطيء.

أطرف القصص وأكثرها دهشة كانت مع ذلك المزارع، الذي دخل إلى العيادة حاملاًعنزة بين ذراعيه: «دكتور، ثديها مجروح من الشوك، بدي تخيط الجرح». حاولت شرحأنني طبيب بشر وليس بيطرياً، لكنه أصر: «الجرح جرح، والخياطة خياطة، أنت شابمتعلم وبتعرف تشتغل، والعنز غالية علي مثل أولادي». خاطت يداي المرتجفتان جرحالعنزة تحت أنظار المزارع الراضي، وخرجت الماعز تمشي على مهل، وكأنها تعرف أنالقرية لا تفرق كثيراً بين علاج الإنسان والحيوان حين تغيب الخدمات. العبرة: فيالأرياف، أنت لست طبيب أسرة فقط، بل أنت المرجع الصحي الوحيد. تواضع وتعلم منكل موقف، حتى لو كان غريباً.

كانت الولادات أصعب التحديات لي، وكنت كل صباح أدعو ومعي القابلة «حربية» – بالمناسبة، هذا اسم القابلة، وكانت تفخر بأنها وُلدت في اليوم الأول لحرب الأيام الستةكنت أدعو: اللهم جنبنا الولادات والتوليد؛ لأني كنت أكرهها من أيام الجامعة. فيعصر يوم شتوي قارس، وكان الثلج قد أغلق الطريق الواصل إلى القرية، اتصل بي زوجإحدى النساء في القرية وهي تطلق صرخات المخاض. بلا طرق، بلا سيارة إسعاف، وبلاأي أمل بوصول المساعدة. تذكرت تدريبات سنة الامتياز الناقصة، وتذكرت أن الله لميتركنا. وُلِدت الطفلة على سرير بسيط، بأدوات بدائية وبقدرة الله، ثم بقليل من العلمالذي تذكرته من أيام الدراسة. كان صراخهاأول نفسهو أجمل صوت سمعته فيحياتي. العبرة: يا طبيب الامتياز، لا تهمل أي تدريب عملي، فالموقف الذي تظنه بعيداًقد يطرق بابك في أقسى ليلة شتاء.

أمراض الأطفال لا تنتهي: حمى شديدة، التهاب رئوي، وأم تضع كمادات الخل على جبينطفلها المصاب بالتهاب السحايا، متأخرة يوماً كاملاً قبل أن تأتي به إلى العيادة. كمطفلا أنقذناهم، وكم آخرين كادوا يفارقون الحياة بسبب الجهل والطرق المقطوعة. كنت أقف حائراً بين مسؤوليتي الطبية وبين نقص الإمكانيات، فأتعلم أن أبذلالمستحيل بالمتاح.

صحيح أن الطريق إلى القرية كانت تُغلق كل شتاء، لكن قلوب أهلها لم تُغلق أبداً. كانوايأتونني بخبز الطابون والزيت والزعتر، ويدعون لي في صلاتهم، وعلموني أن الطبالحقيقي يبدأ بالفهم والثقة، وليس فقط بالوصفات والدواء.

إلى شباب الأطباء الذين سيلتحقون بوزارة الصحة في المناطق النائية: لا تنظروا إلىهذه السنوات كعقوبة أو غربة، بل انظروا إليها كجامعة موازية. هناك ستتعلمونالصبر، وستفهمون معنى «لا ضرر ولا ضرار»، وستكتشفون أن أهم علاج هو أن يشعرالمريض بأنك تسمعه. قد تفتقر العيادة إلى أجهزة حديثة، لكنك تملك يداً حانية وعقلاًمتواضعاً وقلباً لا يمل. رحلت بعد سنة تقريباً حيث التحقت ببرنامج الإقامة فيمستشفى البشير، لكن جزءاً مني ما زال هناك، في تلك القرية البعيدة، بين الجروح التيخيطتها والمواليد التي أبكتني فرحاً. وأنتم أيضاً، حين تنتهي سنوات الامتياز وتُفتحأمامكم خيارات كثيرة، تذكروا أن أشرف الطب هو ما يصل إلى من لا يجد غيره.

خلاصة القول وملخص العبر: الالتزام بمكافحة الاستخدام الخاطئ للمضادات الحيوية،المرونة في تقديم الخدمة، الاستعداد للطوارئ، وأهمية التواصل الإنساني قبلالطبي.الرأي

أمين عام المجلس الصحي العالي

قد يعجبك ايضا