الإقليم يتشكل مجدداً.. أين يقف الأردن؟
راكان السعايدة
الخلاصة: أي تحالفات أو محاور تتبلور في المنطقة فوق الأردن أو من دون أخذ دورهوموقعه بالحسبان، يصعب أن تنجح أو تستمر؛ فجغرافيا الأردن كانت وما تزال ممراًإجبارياً ومحطة ارتكاز لأي محور أو منظومة إقليمية تسعى إلى تحقيق الاستقرار أوالتكامل في المنطقة.
هذه الخلاصة يجب أن تكون أساسية في ذهن الدولة الأردنية الرسمية، طالما أنالمنطقة تتشكل من جديد، وإن كانت تمر الآن بحالة سيولة سببتها حروب ومواجهاتلم تنته كما خُطِّط لها.
فإن كانت إيران وحلفاؤها يشكلون محوراً ثابتاً ومتماسكاً ويحقق مكاسب رغم ماتعرض له من تدمير ومحاولات تصفية (…) فإن “إسرائيل” تعمل أيضاً، بغطاء أميركي،لتكوِّن محوراً مهيمناً وحيداً على المنطقة، وأن تحافظ على دورها كشرطي الإقليم.
صحيح أن محور إيران يعاني، لكنه يملك أدوات التعافي والعودة ليكون قطباً إقليمياً،وعالمياً بسبب مضيق هرمز، وقدراته الصاروخية وما يتوافر عليه من طاقة ومن حلفاء.
“إسرائيل” أيضا تعاني أزمات مركبة، وانقسامات داخلية، وقلقاً وجوديا،ً وشعوراً دائماًبالتهديد الوجودي. كذلك تتسع عزلتها الدولية، وباتت عبئا على أميركا وأوروبا، وهيتقترب من أن تصبح دولة منبوذة كلياً، لكنها حتى الآن تملك أدوات القوة والتدمير،وتعتقد أنها قادرة على فرض ما تريد بالقوة، وهذه على الأقل قناعة اليمين المتطرفالحاكم.
فوق هذا كله، لا يبدو أن حال أميركا في المنطقة أفضل؛ فقد اهتزت هيبتها وتضررتهيمنتها، بعدما فشلت في تركيع إيران، وفشلت حليفتها الأساسية “إسرائيل” في تركيعقوى المقاومة في لبنان وقطاع غزة واليمن.
فهُما، وإن حققتا إنجازاً تكتيكياً بإظهار قوة التدمير، إلا أنهما فشلتا استراتيجياً، ولمتستطيعا تحويل المنجزات التكتيكية إلى مكاسب استراتيجية، لا سياسياً ولا عسكرياًوأمنياً ولا اقتصادياً.
الأهم أن أميركا تدرك أن ثقة حلفاء الإقليم اهتزت؛ فالمواجهة مع إيران أثبتت قدرتهاعلى تهديد الحلفاء، وأكدت محدودية القوة الأميركية مهما بلغت.
باختصار، يشعر حلفاء واشنطن أن من لم يستطع حماية قواعده وأصوله لن يستطيعحمايتهم.
لكن كل هذا لا يعني أن أميركا انتهت عالمياً وإقليمياً، بل لا تزال قطباً وحيداً، وإن أخذتهيمنتها تتآكل وتضعف، وهو ربما ما سيدفعها إلى المسارعة لترتيب الإقليم قبل أنتفلت الأمور من بين يديها.
طبعاً من دون أن يعني ذلك أن أميركا ستبقى هي ذاتها في ذهنية الأنظمة السياسية فيالإقليم؛ فما ذهب لن يعود، فلا أميركا ستبقى بصورتها النمطية كقوة باقية إلى الأبد، ولاصورة “إسرائيل” ستبقى رغم إجرامها الذي يراد منه استعادة الردع والهيمنة.
ما الذي تعنيه الإشارات أعلاه..؟
بتقديري، وفهمي المتواضع، أن التحولات والتغييرات في الإقليم تمضي ببطء لإنتاجمحور جديد،، وربما أكثر، لكنها تمضي، وتظهر ملامح تشكله بصورة ناعمة وغير لافتة أومستفِزة كثيراً للخصوم.
بمعنى أن هذه التحولات والتغييرات لن تتصادم مع أميركا و”إسرائيل”، ولن تستفزهما،بل ستحاول أن تسوّغهما وتعبرهما بقدر عال من الهدوء والنعومة والمرونة.
لأن الهدف، وفقاً لأبسط التحليلات، ليس مناوأة إيران أو “إسرائيل” ومن خلفها أميركا،بل خلق محور ثالث يوازن بين محوري إيران و”إسرائيل”، ويضبط إيقاع الإقليم ويمنعأياً من المحورين من ابتلاع المنطقة سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
وإذا ما تشكل المحور الثالث من السعودية ومصر وتركيا وباكستان، فبالضرورة ستكونهناك دول أخرى فرعية نسبيا تدور في فلكه، ومثل هذا المحور قد يدفع دولاً عربيةأخرى إما إلى حضن إيران أو إلى حضن “إسرائيل” التي ستتحالف مع الهند.
الذي ليس فيه شك أن الصين وروسيا ستدعمان المحور الثالث بصيغة ما، لأنهبالضرورة سيكون مفيداً لهما إقليمياً ودولياً في مواجهة أميركا، وفي هذا الجانب يقالالكثير..
لذا، على الأردن الرسمي أن يدرك، وأظنه يدرك، أن المحور الثالث الذي قد تفرضهظروف الإقليم وما مرّ به وما أظهرته أحداثه من حقائق (…)، يستدعي منه أن يحددخياراته ويصمم مقاربته من وحي مصالحه، أكانت مصالح الأردن الذاتية أم الموضوعيةالمتعلقة بمستقبل القضية الفلسطينية التي ما تزال القضية المركزية للعالم العربي،وتمسّ الأمن القومي الأردني والعربي بشدة.
الأردن عقدة جغرافية وسياسية، لا يمكن، بل لا يجوز، لأحد أو لأي دولة في الإقليم أنيتجاهله، أو يتجاهل مصالحه والمخاطر المحيطة به.
ببساطة، لا أظن أن الأردن بعيد عن التقاط وإدراك ما يحدث في الإقليم، وهو الذييفهم بعمق حجم التحولات وحجم الحقائق التي برزت في إقليم يعاد تشكيله منجديد، وبصورة مختلفة.
وأعتقد أن عليه، إن لم يكن قد شرع في ذلك، أن يعيد مراجعة مجمل علاقاته معمختلف دول الإقليم، وأن يتفقد مواضع ومكامن قوته ويعمل على تعظيمها،والتحديات التي تواجهه، ويبني توقعاته وسيناريواته وموقعه الجيوسياسي على وقعهذه المراجعة.
ويفترض به أن يتحسّب لأي محاولة لتجاوزه ويواجهها بقوة وحزم.
إن تجاهل الأردن ومحاولة القفز من فوقه ومن فوق مصالحه ممنوع، لأن الثمنسيكون باهظاً، لا قدّر الله.