هل أصبح نتنياهو أقوى من واشنطن.. أم أن ما يجري مجرد توزيع أدوار خلف الستار؟

9

د.ميساء المصري

سأبدأ المقال بزاوية أساسية تطرح

نفسها بقوة اليوم على مراكز القرار في العالم ليس ما إذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة  مختلفتين حول إدارة أزمات الشرق الأوسط، بل ما إذا كانت العلاقة بين الطرفين  قد دخلت مرحلة جديدة أصبح فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي قادراً على التأثير في  القرار الأميركي بدرجة تفوق قدرة الإدارات الأميركية المتعاقبة على ضبط السلوك الاسرائيلي.

 في الظاهر يبدو المشهد وكأنه صراع إرادات. واشنطن تتحدث عن التهدئة، فيما تمضيتل أبيب نحو التصعيد. البيت الأبيض يعلن تمسكه بالحلول الدبلوماسية، بينما تواصل إسرائيل  رفع سقف المواجهة. الإدارة الأميركية تسعى إلى تجنب حرب إقليمية شاملة قد تربك الاقتصاد العالمي وتستنزف مواردها الاستراتيجية، في حين يتصرف بنيامين نيتينياهو  كما لو أن استمرار التوتر يمثل حاجة سياسية وأمنية داخلية بالنسبة له.

لكن قراءة المشهد بهذه البساطة قد تكون مضللة.لماذا؟ سنحلل معا 

هل نستنتج أن نتنياهو أقوى من واشنطن، أن ميزان القوة المادية لا يسمح بمثل هذاالاستنتاج. لأن ظاهريا الولايات المتحدة تبقى القوة العظمى الأولى عالمياً، وهيالضامن الأساسي للتفوق العسكري الإسرائيلي. بل سنطرح السؤال الأدق وهو هل أصبحت  إسرائيل تمتلك من أدوات التأثير داخل النظام السياسي الأميركي ما يكفي لجعل  كلفة الضغط عليها أعلى من كلفة الاستجابة لمطالبها؟ ومتأكدة أن هنا يكمنجوهر المسألة.

فإسرائيل لا تستمد قوتها فقط من جيشها أو تفوقها التكنولوجي، بل من موقعها المتجذر داخل البنية السياسية الأميركية نفسها. إنها ليست حليفاً خارجياً بالمعنى التقليدي ، بل جزء من شبكة معقدة تتداخل فيها جماعات الضغط ومراكز التفكير والتمويل  السياسي والإعلام والنخب الحزبية. ولهذا فإن أي إدارة أمريكية، مهما بلغتدرجة انزعاجها من السلوك الإسرائيلي، تدرك أن مساحة المناورة تجاه تل أبيب ليستمفتوحة بلا حدود.

من هذا المنطلق يمكن فهم التناقض الظاهري على السطح والذي هو فقاعة إعلامية سياسيةً . فكلما اقتربت واشنطن من مسار تفاوضي حساس مع إيران، برزت تطوراتميدانية أو أمنية تعيد خلط الأوراق. وكلما ارتفع الحديث عن وقف إطلاق النار أوالتهدئة، ظهرت وقائع جديدة تدفع المنطقة نحو حافة الانفجار. الأمر لا يتعلقبالضرورة بعصيان إسرائيلي مباشر للقرار الأميركي، بقدر ما يتعلق بقدرة إسرائيل علىتعديل أولويات هذا القرار أو إعادة توجيهه.

في المقابل، تدرك إيران طبيعة هذه المعادلة جيداً وتلعبها جيدا . حيث إناستراتيجيتها لا تقوم فقط على الرد العسكري أو بناء توازن ردع مع إسرائيل، بل على رفعكلفة السياسات الإسرائيلية بالنسبة للولايات المتحدة ذاتها. فكل تهديد للممراتالبحرية، وكل اضطراب في أسواق الطاقة، وكل توسع في دائرة التوتر الإقليمي، يضعواشنطن أمام معضلة استراتيجية تتجاوز حدود الصراع الإيراني الإسرائيلي.

ومن هنا فإن الحديث عن البرنامج النووي الإيراني وحده يبدو قاصراً عن تفسير مايجري. فالمعركة الحقيقية تدور حول مستقبل النفوذ في الشرق الأوسط. من العراق،وسوريا، ولبنان، حتى اليمن،هي ليست مجرد ساحات جغرافية، بل عقد استراتيجيةتتحكم بمسارات الأمن والطاقة والتجارة وموازين القوة الإقليمية.

ولهذا فإن أي تفاهم أميركي إيراني محتمل لن يكون مجرد اتفاق تقني حول التخصيبالنووي أو العقوبات الاقتصادية، بل سيكون في جوهره تفاوضاً على شكل الإقليمالمقبل. هل ستُمنح إيران اعترافاً ضمنياً بدورها الإقليمي؟ أم سيتم العمل على تقليصنفوذها وإعادة هندسة التوازنات من حولها؟ هذه هي الأسئلة الحقيقية التي تُناقشخلف الأبواب المخفية.

في المقابل، يصعب تصور قبول إسرائيل بأي صيغة تمنح طهران شرعية استراتيجيةطويلة الأمد في الإقليم. فالعقيدة الأمنية الإسرائيلية تقوم منذ عقود على منع ظهور قوةإقليمية قادرة على بناء منظومة نفوذ ممتدة حولها. ولهذا فإن جوهر الخلاف المحتمللا يتعلق بإدارة أزمة آنية، بل بتصور مختلف لمستقبل المنطقة نفسها.

ومع ذلك، فإن تصوير العلاقة الأميركية الإسرائيلية باعتبارها مواجهة مفتوحة قد يكونخطأ تحليلياً لا يقل خطورة عن إنكار وجود الخلافات أصلاً. فالتباين في الأدواتوالتوقيت لا يعني بالضرورة اختلافاً في الأهداف الكبرى. وما زال التحالف بين واشنطنوتل أبيب تحالفاً بنيوياً عميقاً توراتيا ودولا حديثة تتجاوز الحكومات والأشخاصوالظروف المرحلية.

لذلك ربما يكون السؤال المطروح خطأ من أساسه. فالمسألة ليست ما إذا كان نتنياهوأقوى من واشنطن أو ما إذا كانت واشنطن أقوى من نتنياهو. المسألة تتعلق بكيفيةإدارة الطرفين لمنظومة مصالح مشتركة تتخللها خلافات تكتيكية وصراعات علىالأولويات، دون أن تمس الأسس الاستراتيجية للتحالف.

ونبقى في محاولة لفهم من سيحدد مستقبل الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة،هل ما نشهده صراع حقيقي على قيادة الإقليم، أم إعادة توزيع منظمة للأدوار والنفوذبين القوى الكبرى والقوى الإقليمية؟. دون علم الجميع من دول الإقليم.

والإجابة لن تظهر في التصريحات الرسمية ولا في المؤتمرات الصحفية، بل في الخرائطالجديدة التي ستخرج من رحم الحروب والمفاوضات معاً. فهناك، وليس في البيانات السياسية ، يُصنع الشرق الأوسط المقبل.

الأسئلة كثيرة ومتنوعة، والإجابات لن تحدد فقط مستقبل العلاقة الأميركية الإسرائيليةالإيرانية، بل قد تحدد شكل النظام الإقليمي الجديد الذي يتشكل بصمت تحت دخانالحروب وصخب التصريحات وتحديد الأدوار.الغد

قد يعجبك ايضا