إرث المغطس والسردية الدينية
د موفق الزيادات
تبرز أهمية السردية الدينية بوصفها الأداة التي تمنح الأحداث والأماكن والشخصياتالمقدسة القدرة على الاستمرار في الوعي الإنساني عبر الزمن.
وتعرف السردية الدينية اصطلاحياً بأنها: منظومة معرفية وقيمية واتصالية تُبنى علىالحقائق الدينية والتاريخية الموثقة، وتُصاغ في إطار قصصي متكامل يهدف إلى تفسيرالمعنى الروحي والحضاري للأحداث والمواقع والشخصيات الدينية، بما يعزز الهويةالمشتركة وينقل الرسالة الدينية إلى الأجيال والمجتمعات المختلفة. وهي بهذا المعنىليست مجرد رواية للماضي، بل عملية مستمرة لإعادة إنتاج المعنى وتوجيهه نحوالحاضر والمستقبل.
لكن السؤال الجوهري هو: لمن نكتب السردية الدينية؟ إننا نكتبها أولاً لأبناء المجتمعليكتشفوا جذورهم الروحية ويدركوا القيمة الحضارية لإرثهم الديني، ونكتبها للأجيالالجديدة بلغة معاصرة تربط الإيمان بالمعرفة، ونكتبها للعالم بوصفها جسراً للحواروالتفاهم الإنساني. كما نكتبها للباحثين وصناع القرار والمؤسسات الثقافية والسياحيةوالإعلامية، لتكون مرجعاً موحداً يوجّه الخطاب ويحدّ تشتت الرسائل.
أما كيف نكتبها، فإن ذلك يتطلب الجمع بين الدقة العلمية والجاذبية السردية؛فالسردية الناجحة تنطلق من المصادر الموثوقة، لكنها لا تكتفي بعرض المعلومات، بلتحوّلها إلى قصة إنسانية ملهمة تربط المكان بالرسالة، والحدث بالقيمة، والتاريخبالمستقبل. وهي تحتاج إلى تكامل جهود المؤرخين وعلماء الدين وخبراء الاتصالوالإعلام الرقمي والمبدعين الثقافيين، حتى تصبح قادرة على مخاطبة العقول والقلوبمعاً.
ويبقى السؤال الأهم: لماذا نكتب السردية الدينية؟ لأن المجتمعات التي لا تروي قصتهاتترك الآخرين يروونها عنها. والسردية الدينية تحفظ الذاكرة الجماعية، وتعزز الانتماء،وتدعم القوة الناعمة للدولة، وتُسهم في التنمية الثقافية والسياحية والاقتصادية. كماأنها توفر إطاراً موحداً لفهم الرموز الدينية وتقديمها للعالم بلغة تتجاوز الحدودالجغرافية والثقافية.
وقد نجحت دول ومؤسسات عديدة في بناء سرديات دينية مؤثرة؛ فالفاتيكان استطاعتحويل الإرث المسيحي إلى منظومة عالمية للمعرفة والثقافة والحج، بينما نجحتالمملكة العربية السعودية في تطوير سردية متكاملة حول الحرمين الشريفين تجمعبين البعد الروحي والتاريخي والتنظيمي. كما قدمت إسبانيا نموذجاً مميزاً في توظيفطريق الحج إلى سانتياغو دي كومبوستيلا بوصفه مساراً دينياً وثقافياً عالمياً يربطالإيمان بالتراث والتنمية المحلية.
ورغم أهمية السردية الدينية، فإن توثيقها يواجه تحديات عديدة، أبرزها تشتتالمصادر، وتعدد الروايات، وضعف التوثيق الرقمي، وتباين الخطابات المؤسسية،إضافة إلى خطر اختزال الرسالة الدينية في أبعاد سياحية أو إعلامية ضيقة. ويمكنالتغلب على هذه التحديات من خلال إنشاء مراكز متخصصة للتوثيق والبحث، واعتمادمرجعيات علمية موحدة، وتوظيف التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في حفظالمحتوى ونشره، وإشراك المجتمعات المحلية والمؤسسات الدينية والثقافية فيصياغة السردية وتطويرها.
وفي هذا السياق، تكتسب السردية الدينية للمغطس أهمية استثنائية؛ فالمغطس ليسمجرد موقع أثري أو محطة للحج المسيحي، بل فضاء روحي عالمي ارتبط بمعموديةالسيد المسيح عليه السلام وبداية رسالته العلنية. ومن هنا فإن بناء سردية دينيةمتكاملة للمغطس يشكل خطوة استراتيجية نحو التأسيس لاحتفالية الألفية الثانيةلمعمودية السيد المسيح عام 2030، من خلال تقديم الموقع بوصفه رمزاً عالمياًللإيمان والتجدد والسلام. كما تسهم هذه السردية في تعزيز مكانة الأردن مركزاً للحوارالديني والتلاقي الحضاري، وتحويل المناسبة إلى حدث إنساني عالمي تتجاوز آثارهحدود الاحتفال إلى بناء إرث معرفي وروحي مستدام للأجيال القادمة.
إن السردية الدينية في جوهرها ليست وصفاً للماضي، بل هندسة للمعنى، واستثماراًفي الذاكرة، وصناعةً للمستقبل. وكلما امتلكت المجتمعات القدرة على رواية قصتهاالروحية بوعي وإبداع، ازدادت قدرتها على التأثير في العالم وصناعة حضورها الحضاريالمستدام.