الحرب والنبوءة والأسطورة

11

د.عاصم منصور

لا تبدو الوشوم الضخمة التي تغطي ذراع وصدر وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيثتعبيرا عن مقاتل متعصب فحسب، بل هي تجسيد فج لثقافة ذات تأثير بالغ في الحربالقائمة اليوم، وفي مجمل الصراع حول فلسطين في القرن الحادي والعشرين. فعلىجسد الوزير تبرز كلمة «كافر» بالعربية، وشعار «Deus Vult» (إرادة الله) وهي الصرخةالشهيرة للمقاتلين الفرنج الذين اجتاحوا الشرق الإسلامي خلال الحروب الصليبية، ثميأتي صليب القدس فوق موضع القلب من صدر الوزير ليكمل الصورة. هذه الرسومليست مجرد نقوش عابرة، بل هي تعبير صريح عن شكل الحروب التي تتجاوز الجغرافيةوالسياسية لتغوص في أعماق الغيب والتاريخ الديني والنبوءات القديمة.

 هذا الاستدعاء الصارخ لرموز الحروب الصليبية في أعلى هرم المؤسسة العسكريةالأميركية ليس حدثاً معزولاً، بل هو جزء من سياق أوسع تشكل فيه الحربالإسراأميركية ضد إيران حربا دينية بامتياز. ففي تل أبيب، يستدعي رئيس الوزراءبنيامين نتنياهو أكثر فصول التوراة دموية لتبرير حربه قائلا: «تذكروا ما فعله عماليقبكم». هذا الاستدعاء لقصة «عماليق»، الشعب الذي أمر الرب في العهد القديمبإبادته عن بكرة أبيه، رجالاً ونساءً وأطفالاً، ليست مجرد استعارة لغوية، بل هو ترخيصديني للإبادة، وشرعنة للقتل باسم السماء، على لسان مجرم حرب، ما زالت دماء شعبآخر على يديه.  

إن توظيف الدين واستخدام النبوءات والأساطير ليس بالأمر الجديد في تاريخ الحروب،فمنذ فجر التاريخ، كانت الجيوش تسير تحت رايات الآلهة، وكانت النبوءات تشعلحماس الجنود وتبرر أفعالهم. والحروب الصليبية نفسها كانت مدفوعة بوعد الخلاصوغفران الخطايا، وما يثير الرعب اليوم هو عودة هذا الخطاب بحدة في عصر يفترض أنهتجاوز الأساطير ليحتكم إلى لغة القانون الدولي ويتفاوض على المصالحوالإستراتيجيات.

ويتركز هذا الخطاب الديني في الولايات المتحدة عند اليمين المسيحي الإنجيلي، الذييرى في الصراع مع إيران تحقيقاً لنبوءات العهد القديم حول معركة «هرمجدون» ونهاية الزمان، فبالنسبة لهؤلاء، الحرب ليست مجرد ضرورة سياسية، بل هي واجبمقدس لتسريع عودة المسيح. والمشكلة أن هذا التيار، الذي يتمتع بنفوذ هائل فيالسياسة الأميركية، يعلن عن إيمانه بفكرة إسرائيل الكبرى، ويدفع باتجاه مواجهةحتمية مع إيران وفلسطين ولبنان بل والمنطقة، ليس من منطلق حساباتجيوسياسية، بل من منطلق إيمان عميق بنبوءات عمرها آلاف السنين.

وعلى الجانب الآخر في أمتنا، هناك من يستدعي النبوءات، وأخبار آخر الزمان محاولاإسقاطها على سياق الأحداث، وتبرز هنا خصوصية للمذهب الإمامي في هذه المعركةحيث النبوءات الشيعية حول التمهيد لظهور الإمام الغائب الذي سيملأ الأرض قسطاًوعدلاً. وفي هذا الخطاب، الحرب ليست مجرد دفاع عن مصالح قومية، بل هي إعدادلوعد الآخرة وآخر الزمان.

وهكذا، وجد العالم نفسه في قلب حرب من نوع جديد، حرب تتضاءل فيها أهميةالعوامل الإستراتيجية والجيوسياسية لصالح خطاب ديني مؤيد بالغيب والنبوءات،حرب لا تدور رحاها على الأرض فحسب، بل في بطون الكتب المقدسة وتأويلاتها، وفيقلوب المؤمنين بنصوصها الحرفية على جانبي الصراع.

لقد أصبح المشهد مفتوحا على مزيد من الأفول للواقعية السياسية، وعلى توسع فيالحروب الدينية وعندها لا يمكن للعقلانية أن تجد لها مكاناً في صراع يرى فيه كل طرفأن السماء تقف في صفه، وأن خصمه ليس مجرد عدو سياسي، بل هو تجسيد للشرالمطلق الذي يجب محوه من الوجود.الغد

قد يعجبك ايضا