وهم “حرب الأيام”: التحرك الاقتصادي ضروره لا خيار
د.رعد محمود التل
المخزون الاستراتيجي من الطاقة والغذاء مهم وأساسي في إدارة الازمات، لكنه وبكلتأكيد ليس ضمانه كافيه تدفعنا للإطمئنان، خاصة مع حرب لا احد يعرف متى تنتهي! فأخطر ما يمكن أن نقع الرهان على عامل الزمن لانتهاء هذه الأزمة، وإفتراض أن مايحدث “ حرب أيام “ وستنتهي سريعاً. قد تكون هذه الفكره مريحه سياسياً لكنهااقتصادياً ذات كلفة عالية. فالمنطقة لا تعيش أزمة عابرة، بل تدخل حالة من عدماليقين تمتد آثارها الى الطاقة والغذاء والتجارة!
بالنسبة للأردن هذا الواقع وبكل أسف يضع الاقتصاد تحت ضغوطات كبيرة، واماماختبار حقيقي متجدد. وخلال العقود الماضية كان الاقتصاد الاردني من أكثرالاقتصادات عرضةً الى الصدمات والازمات، بمعدل أزمة تقريباً كل ثلاث سنوات خلالآخر 25 عاماً! ورغم ذلك، نجح في كثير من الأحيان في التعافي أو على الأقل تقليلالخسائر.
تكلفة أزمة الطاقة الحالية تُقدَّر بنحو 2.5 مليون دينار يوميًا، أي ما يقارب 3.5 مليوندولار، في ظل الارتفاعات الكبيرة في أسعار النفط. كما أن المخزون الحالي من مشتقاتالنفط لا يغطي سوى فترة تقارب 30 يومًا. وفي ضوء هذه المعطيات، فإننا لا نملك ترفالانتظار. فالأردن، كدولة تستورد ما يقارب 80% من احتياجاتها من الطاقة، سيكونمباشر التأثر بأي اضطرابات في إمدادات النفط والغاز، ما سيقود إلى ارتفاع الأسعار،وينعكس سريعًا على كلف المعيشة والتضخم، وبالتالي على القدرة الشرائيةللمواطنين.
من هنا يصبح السؤال الأهم والاجباري الآن: هل ننتظر حتى تتوضح صورة الحرب أكثر،أم نتحرك استراتيجياً وبشكل إستباقي لتقليل المخاطر؟ اقتصادياً الإجابة واضحه، كلفةالتحرك الاستباقي المبكر أقل بكثير من الاستجابة المتأخرة، وتحديداً في ملف الطاقةوالمطلوب اليوم إدارة الطلب على الطاقة من قبل الحكومة كأحد أهم الأدواتالاستراتيجية المتاحة حالياً، طبعاً ليس المطلوب إجراءات صادمة بل سياسات ذكيةومؤقتة تعيد تنظيم الاستهلال الطاقي خلال هذه الفتره بالذات!
لذلك وجب التفكير الآن بأمكانية إعادة توزيع انماط العمل والتعليم، من خلال التوسعفي العمل عن بعد والتعليم الالكتروني لعدة أيام أسبوعياً وتنظيم ساعات عملالأنشطة التجارية، وتطبيق أنماط من الأنظمة المرورية تقلل من كثافة استخدامالمركبات. بالتأكيد هناك طرف آخر للمعادلة وهو استمرار الانتاجية وحركة الاقتصاددون تعطل أو توقف وبمثل هذه الاجراءات يمكننا الحفاظ على طرفي المعادلة منتقليل باستهلاك الوقود والطاقة دون أن نمس على العملية الانتاجية وسير الحياةبشكل عام!
في موازاة ذلك، يبرز ملف الأمن الغذائي كأولوية لا تقل أهمية عن الطاقة، فأي اضطرابفي سلاسل الإمداد العالمية سيترجم سريعًا إلى ضغوط على الأسعار. لذلك، فإن تعزيزالمخزون الاستراتيجي، وتنويع مصادر الاستيراد، ودعم الإنتاج المحلي، يجب أن تكونجميعها على رأس جدول الأعمال. المشكلة لا تكمن فقط في توفر الموارد، بل في كيفيةإدارتها. في أوقات الاستقرار، قد يكون الهدر مقبولًا ضمنيًا، لكن في أوقات الأزمات،يصبح كل قرار استهلاكي جزءًا من معادلة الأمن الوطني.
المرحلة تتطلب إعادة ترتيب أولويات السياسة العامة، فالمؤشرات الاقليمية والدوليةلا توحي بإنفراجة سريعة بقدر ما تشير الى الاستمرار بحالة الشد والجذب لفتراتأطول، وفي مثل هكذا ظرف لا يبنى الاستقرار على التوقعات بقدر بناءه على الجاهزيةالمستمده من الاجراء الاستباقي للأزمة!
الاقتصاد الاردني أثبت قدرته على الصمود، فقد نجح بعبور أزمات أصعب وأثرها أكبر،لكن التجارب تؤكد أن الاقتصادات التي تصمد هل ليست الاقتصادات التي تملكالموارد –الامثلة حاضرة في الحرب الحالية – بل تلك التي تعرف كيف تديرمواردهابكفاءة عالية وتستبق الازمات بدل ملاحقتها! الأردن اليوم أمام فرصة لاتخاذ قراراتمبكرة قد تُحدث فرقًا حقيقيًا في قدرته على تجاوز مرحلة قد تكون الأصعب إقليميًامنذ سنوات، فالتحرك الآن ليس خيارًا… بل ضرورة!