*كتاب: العقل المفتوح والعقل المغلق* ميلتون روكيتش -عالم نفس اجتماعي أمريكي
العقبة الإخباري-
مقدمة
يُعد كتاب العقل المفتوح والعقل المغلق من أهم الأعمال الكلاسيكية في علم النفسالاجتماعي الحديث، إذ يحاول عالم النفس الأمريكي ميلتون روكيتش تفسير سؤالشديد
الأهمية:
لماذا يكون بعض الناس أكثر انفتاحًا على الأفكار الجديدة، بينما يتمسك آخرونبعقائدهم بشكل متصلب وعدائي؟
لا يدرس الكتاب التعصب بوصفه قضية سياسية أو دينية فقط، بل بوصفه “بنية نفسيةومعرفية” تؤثر في طريقة التفكير والإدراك والحكم على العالم.
ومن هنا يطور روكيتش مفهومه الشهير: الدوغماتية (Dogmatism) أي الانغلاقالعقائدي والتصلب الفكري.
فالإنسان الدوغماتي — بحسب الكتاب — ليس مجرد شخص يمتلك أفكارًا قوية، بلفرد:
يخاف الشك، يرفض الغموض، يميل إلى اليقين المطلق، يرى العالم بمنطق أبيض/أسود، ويشعر بالتهديد أمام الاختلاف الفكري.
ولهذا أصبح الكتاب من الأعمال المرجعية في دراسة: التعصب، الأيديولوجيا، التفكيرالسلطوي، التحيز، والشخصية المغلقة.
الفكرة المركزية للكتاب
يرى روكيتش أن المشكلة الأساسية ليست “ماذا يؤمن الإنسان؟” بل كيف يؤمن؟
فقد يختلف الناس دينيًا أو سياسيًا، لكنهم قد يشتركون في طريقة عقلية واحدة قائمةعلى:
الانغلاق، الخوف من التغيير، رفض النقد، تقديس السلطة الفكرية.
لذلك يميز الكتاب بين: العقل المفتوح الذي يقبل المراجعة، يتحمل الشك، يميز بينالحقيقة والرأي، ويتقبل التعددية.
والعقل المغلق الذي يتمسك باليقين المطلق يرى المخالف تهديدًا يميل للتبسيطالحاد
يخضع للسلطة العقائدية.
مقياس الدوغماتية (Dogmatism Scale)
أشهر ما قدمه الكتاب هو تطوير مقياس الدوغماتية وهو أداة نفسية صممها روكيتشلقياس درجة انفتاح أو انغلاق أنظمة المعتقد لدى الأفراد. ويتكون المقياس منعشرات العبارات التي تكشف: مدى التسامح مع الاختلاف، المرونة الفكرية، الاستعدادلتغيير الرأي، الموقف من السلطة، النزعة نحو الأحكام المطلقة.
وقد أصبح هذا المقياس لاحقًا من أكثر الأدوات استخدامًا في دراسة التطرف السياسي،التعصب الديني، السلوك السلطوي، التفكير الأيديولوجي.
المحاور الرئيسية للكتاب
1. تنظيم أنظمة المعتقد
يرى روكيتش أن الأفكار داخل عقل الإنسان لا توجد بشكل عشوائي، بل تتكون ضمن“نظام معتقدات” مترابط. فالعقل المغلق يبني معتقداته حول مركز ثابت ومقدسويرفض المعلومات التي تهدد هذا المركز. بينما العقل المفتوح يسمح بالمراجعةوإعادة التقييم وتعديل الأفكار وفق التجربة والمعرفة.
2. الفرق بين العقل المفتوح والمغلق: لا يربط روكيتش الانغلاق بأيديولوجيا واحدةفقط. فالشخص الدوغماتي قد يكون: يمينيًا أو يساريًا، دينيًا أو علمانيًا، ثوريًا أو محافظًا. المشكلة ليست في مضمون الفكرة بل في طريقة التمسك بها
ورفض أي نقد لها. وهذا من أهم الجوانب التي جعلت الكتاب مؤثرًا في علم النفسالسياسي.
3. الدراسات التجريبية
يتضمن الكتاب سلسلة من التجارب النفسية التي تقارن بين الأفراد مرتفعي ومنخفضيالدوغماتية. وأظهرت النتائج أن العقل المغلق غالبًا أقل قدرة على تقبل الغموض أكثرميلًا للأحكام السريعة أكثر خضوعًا للسلطة وأشد حساسية للتهديد. بينما يميل العقلالمفتوح إلى المرونة الإدراكية، التفكير النقدي وتحمل التناقض والتعقيد.
4. الدوغماتية والسياسة والدين
يناقش الكتاب العلاقة بين الانغلاق الفكري والانتماءات السياسية والدينية. ويؤكد أنالتعصب لا ينتج عن العقيدة نفسها فقط، بل عن البنية النفسية للشخصية، الخوف مناللايقين، الحاجة إلى اليقين المطلق.
ولهذا يمكن أن يظهر التعصب داخل الأحزاب، الجماعات الدينية، الحركات الثوريةوحتى المؤسسات العلمية.
5. التحيز والانقسام الاجتماعي
يحلل روكيتش كيف يؤدي العقل المغلق إلى التحيز ضد المختلفين، تقسيم العالم إلى“نحن/هم”، رفض الحوار والنزوع إلى التفكير الثنائي.
فكلما زادت الدوغماتية، زادت الحاجة إلى الأعداء، التبسيط، والهويات الصلبة.
6. الانفتاح والتجربة الإنسانية
من الجوانب المميزة في الكتاب أن روكيتش لا يربط الانفتاح بالسياسة فقط، بل بالحياةالثقافية أيضًا.
فالعقل المفتوح أكثر استعدادًا لتقبل الموسيقى الجديدة والأفكار المختلفة والتجاربغير المألوفة. أي أن الانفتاح ليس موقفًا فكريًا فقط، بل أسلوبًا في الوجود والتفاعل معالعالم.
المغزى الفكري
يحاول الكتاب إثبات أن الخطر الحقيقي على المجتمعات ليس مجرد الاختلاف الفكري،بل العجز عن التعايش مع الاختلاف.
فالعقل المغلق يبحث دائمًا عن يقين نهائي، سلطة مطلقة، تفسير شامل للعالم. بينمايقوم المجتمع الحر على
الشك النقدي، الحوار، التعددية، وقبول التعقيد.
أهمية الكتاب
يُعتبر الكتاب من الأعمال المؤسسة في علم النفس السياسي، دراسة التعصب،سيكولوجية الأيديولوجيا
وتحليل الشخصية السلطوية.
كما أثّر في أبحاث لاحقة حول التطرف، الاستقطاب السياسي، الدعاية، والانغلاقالمعرفي.
نبذة عن المؤلف
ميلتون روكيتش (1918–1988) عالم نفس اجتماعي أمريكي من أصل بولندي، ويُعدمن أبرز الباحثين في دراسة أنظمة المعتقدات والقيم الشخصية.
من أشهر أعماله:
The Nature of Human Values
The Three Christs of Ypsilanti
وقد اشتهر بتطويره لمفهوم “الدوغماتية” بوصفها بنية نفسية تتجاوز الانقساماتالسياسية والدينية التقليدية.
الخلاصة النهائية
يقدم العقل المفتوح والعقل المغلق تحليلًا عميقًا لكيفية تشكل المعتقدات داخل النفس البشرية، موضحًا أن التعصب والانغلاق لا يرتبطان بفكرة معينة بقدر ما يرتبطان بطريقة التفكير نفسها. فالإنسان المنغلق لا يخاف فقط من الأفكار المختلفة، بل يخافمن الشك، الغموض، الحرية الفكرية، واحتمال أن يكون مخطئًا.
ولهذا يبقى الكتاب من أهم الدراسات لفهم كيف تتحول الحاجة إلى اليقين إلىتعصب، وكيف يصبح الانفتاح العقلي شرطًا أساسيًا للمجتمع الحر.
ترجمة: لؤي خزعل جبر
الناشر العربي: دار سطور