«التطبيع الشعبي»… حاجز مصري أمام إسرائيل لم ينكسر رغم «عقود السلام»

9

العقبة الأخباري – رغم مرور نحو 47 عاماً على توقيع مصر وإسرائيل معاهدة سلامرسمياً، يظل هناك رفض واسع على المستوى الشعبي لإقامة أي علاقات مع إسرائيل، ماجعل البعض يصف الحالة القائمة بين الطرفين بأنها «سلام بارد».

وخلال احتفالية رسمية بمصر، مساء السبت، استبعد الرئيس عبد الفتاح السيسيإمكانية «التطبيع الشعبي» مع إسرائيل مع عدم قيام دولة فلسطينية، واستمرارالخروقات الإسرائيلية؛ مؤكداً أن الحل يكمن في الوصول إلى «سلام عادل وشامل».

جاء ذلك غداة غضب إسرائيلي برز عبر أبواق موالية لحكومة رئيس الوزراء بنياميننتنياهو، بعدما رفع مدرب منتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، علم فلسطين عقبفوز فريقه على أستراليا في دور الـ32 لبطولة كأس العالم، وصعوده إلى دور الـ16،وإهدائه الفوز للشعبين المصري والفلسطيني، وسط ترحاب شعبي واسع بموقفه علىمنصات التواصل.

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق،محمد حجازي، أن موقف مصر يحمل «رسالة مهمة»، مؤكداً أن التطبيع الشعبي«سيظل حاجزاً مصرياً أمام إسرائيل لن يُرفع ما دام الفلسطينيون بلا دولة».

معالجة جذور الصراع

كانت مصر وإسرائيل قد وقعتا معاهدة السلام بالعاصمة الأميركية واشنطن في مارس(آذار) عام 1979، لكن ظلت التعاملات مقتصرة على العلاقات الرسمية، دون أن تمتدإلى «تطبيع شعبي» في الشارع المصري؛ بل إن بعض النقابات في مصر تعدّ التطبيعجريمة تُعاقِب أعضاءها عليه.

1646619.jpeg

الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحم بيغنيتعانقان بعد توقيع اتفاقية السلام في البيت الأبيض في مارس 1979 .ف.ب)

وخلال احتفالية افتتاح «القيادة الاستراتيجية للدولة» بالعاصمة الجديدة شرقالقاهرة، مساء السبت، أكد السيسي أن «الدولة لن تسمح أبداً بالمساس بمقدراتشعبها، مع تمسكها بالسلام لمن يريد السلام».

وأضاف: «مصر بما لها من رؤية ثاقبة وخبرة تاريخية لا تضاهيها خبرة في شؤونالمنطقة، وباعتبارها أول من أبرم اتفاق سلام مع إسرائيل، في وقت كانت فيه العداوةمستحكمة، تؤكد أن الحل الجذري لنزاعات الشرق الأوسط يكمن في التوصل إلى اتفاقسلام شامل وعادل، ينهي القضية الفلسطينية ويقيم الدولة الفلسطينية وعاصمتهاالقدس الشرقية، وفق مقررات الشرعية الدولية».

وشدد على أنه «لا سلام دائم، ولا استقرار حقيقي، ولا تطبيع شعبي، إلا بسلام عادل،ينهي الاحتلال ويضع حداً للظلم والعدوان، ويعيد الحقوق إلى أصحابها، ويوفر الأمنللجميع، ويمنح شعوب المنطقة فرصة للعيش في استقرار ورخاء، ويطلق عهداً جديداًمن التعاون والازدهار، ومستقبلاً أفضل تستحقه شعوبنا».

وقال حجازي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «مصر التزمت منذ توقيع معاهدةالسلام بكل استحقاقاتها، وأسهمت على مدى عقود في ترسيخ الاستقرار الإقليمي، إلا أنالرأي العام المصري ظل يعدّ القضية الفلسطينية قضية عدالة وأمن قومي وهوية،وليس مجرد ملف سياسي».

وأضاف: «ومن ثم، فإن استمرار الاحتلال، والتوسع الاستيطاني، والحروب المتكررة علىغزة، كلها عوامل حالت دون انتقال السلام من المستوى الرسمي إلى المستوىالشعبي».

واستطرد قائلاً إن الرسالة التي وجهها الرئيس المصري جاءت لتؤكد الثابت الأهم فيسياسة البلاد؛ وهو أن «السلام الحقيقي لا يقتصر على وقف إطلاق النار أو إبرامالاتفاقات؛ بل يقوم على معالجة جذور الصراع، وفي مقدمتها إقامة الدولة الفلسطينيةالمستقلة».

وأكد: «التطبيع الشعبي لا يُفرض بقرارات سياسية، وإنما ينشأ بصورة تلقائية عندماتشعر الشعوب بأن العدالة قد تحققت، وأن الحقوق قد استعيدت».

«خيار استراتيجي»

منذ اتفاق السلام، لم تشهد العلاقات بين البلدين توتراً مثلما هو عليه الحال حالياً بعداندلاع الحرب على غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، خصوصاً بعد احتلال إسرائيلمحور «فيلادلفيا» المحاذي للحدود المصرية بالمخالفة لمعاهدة السلام، واحتلالمعبر رفح من الجانب الفلسطيني.

وعلى مدار عامين، رفعت مصر من نبرتها تجاه الاعتداءات الإسرائيلية، حتى إنها اعتادتوصف ما يجري في غزة بأنه «تطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية».

وتقود مصر وساطة مع قطر والولايات المتحدة منذ بداية الحرب، وانضمت لها تركياعام 2025 في اتفاق جديد لم تلتزم إسرائيل بتنفيذ بنوده كاملة، وسط تلويحها بعودةالحرب، وترديد انتقادات إعلامية من وقت لآخر من تنامي القدرات العسكرية المصرية.

وفي ضوء ذلك، يرى حجازي أن إسرائيل تواجه خياراً استراتيجياً واضحاً يقف علىمسارين: «أولهما أن تنخرط في مشروع سلام شامل يحقق الأمن المتبادل، ويؤسسلشرق أوسط أكثر استقراراً وأمناً يضمها إذا اعترفت بالدولة الفلسطينية، ويضم إيرانإذا التزمت بحسن الجوار وعدم التدخل في شؤون دول المنطقة، ليتعايش الجميع فيجغرافيا آمنة تنشئ منظومة للأمن والتعاون الإقليمي كما حال أوروبا».

أما المسار الثاني، فهو «أن تستمر إسرائيل في سياسة إدارة الصراع والاعتماد علىالتفوق العسكري باعتباره بديلاً عن التسوية السياسية»، بحسب حجازي الذي قال إنالتجارب التاريخية تؤكد أن القوة العسكرية قادرة على ردع التهديدات، لكنها لا تستطيعوحدها إنتاج شرعية سياسية أو بناء سلام دائم، محذراً من أن الهيمنة «قد تفرض واقعاًمؤقتاً، لكنها لا تنشئ نظاماً إقليمياً مستقراً».

وتابع: «رؤية مصر تنطلق من أن السلام العادل ليس مطلباً فلسطينياً أو عربياً فحسب؛بل هو أيضاً المصلحة الاستراتيجية الحقيقية لإسرائيل وللمنطقة بأسرها»، مشدداً علىأن حل الدولتين «يبقى هو المدخل الوحيد القادر على تحويل السلام الرسمي إلى سلامشعبي، وبناء نظام إقليمي أكثر أمناً واستقراراً وتعاوناً».الشرق الأوسط

قد يعجبك ايضا