الدور الرقابي للنائب خارج مجلس النواب

6

ا.د.ليث كمال نصراوين

انشغل الرأي العام خلال الأيام الماضية بالجدل الذي أثاره قرار إغلاق حديقة للحيوانات، والزيارة التي قام بها عضو مجلس النواب للموقع وما رافقها من ملاسنات مع أحد الموظفين الحكوميين، حيث أعادت هذه الواقعة طرح تساؤلات دستورية حول الدور الرقابي للنائب خارج مجلس النواب، ومدى جواز متابعته لأعمال السلطة التنفيذية وقراراتها خارج إطار الجلسات البرلمانية.

 

وللإجابة عن هذه التساؤلات، لا بد من العودة إلى الإطار الدستوري الذي يحكم وظيفة النائب وحدود اختصاصه الرقابي. فالنظام النيابي في الأردن يقوم على إسناد وظيفتين رئيستين لمجلس النواب، هما التشريع والرقابة على أعمال السلطة التنفيذية. وقد حدد الدستور والنظام الداخلي للمجلس الوسائل التي تتم من خلالها الرقابة البرلمانية، ومثالها الأسئلة النيابية والاستجوابات وطلبات المناقشة العامة وطرح الثقة، حيث تمثل هذه الأدوات الرقابة البرلمانية بمعناها الدستوري؛ كونها تمارس داخل مجلس النواب، وتترتب عليها آثار قانونية وسياسية محددة.

غير أن ذلك لا يعني أن وظيفة النائب الرقابية تبدأ مع افتتاح الجلسة البرلمانية وتنتهي بانقضائها. فالنائب يبقى ممثلا للأمة طوال مدة عضويته في البرلمان، ومن الطبيعي أن يتابع القضايا الوطنية، وأن يزور المواقع التي تشهد خلافات أو قصورا في تقديم الخدمات، وأن يقف على حقيقة الوقائع بنفسه. فهذه الممارسات تعد امتدادا لدوره الرقابي، لكنها لا تشكل رقابة برلمانية بمفهومها الدستوري، وإنما تمثل مرحلة تمهيدية تساعد النائب على ممارسة أدواته الرقابية داخل المجلس بصورة أكثر دقة وفاعلية، إذ تقتضي المساءلة البرلمانية الرشيدة أن تسبقها معرفة دقيقة بالوقائع والمعلومات.

ولهذا، يميز الفقه الدستوري بين الرقابة البرلمانية التي تمارس داخل السلطة التشريعية وفق الإجراءات الدستورية، وبين المتابعة الميدانية التي تهدف إلى جمع المعلومات والوقوف على الحقائق تمهيدا لمساءلة الحكومة داخل المجلس؛ فالزيارة الميدانية ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لمباشرة الرقابة البرلمانية، التي لا تكتسب آثارها الدستورية إلا عند ممارستها من خلال الأدوات التي رسمها الدستور.

ومن هنا، فإن خروج النائب إلى الميدان لا يمنحه صلاحيات السلطة التنفيذية، ولا يجيز له التدخل في إدارة المرافق العامة، أو إصدار التعليمات للموظفين العموميين، أو طلب وقف تنفيذ القرارات الإدارية أو تعديلها. فالمشرع الدستوري منحه سلطة رقابية وسياسية، ولم يمنحه سلطة تنفيذية، فهو مخول دستوريا بمراقبة الحكومة ومساءلتها، دون أن يكون له الحق في أن يحل محلها أو يمارس اختصاصاتها.

ويؤكد الدستور الأردني هذا التمييز من خلال تنظيمه للحصانة البرلمانية؛ فقد نصت المادة (87) منه على أن لكل نائب ملء الحرية في التكلم وإبداء الرأي في حدود النظام الداخلي للمجلس، ولا يجوز مؤاخذته بسبب أي تصويت أو رأي يبديه أو خطاب يلقيه أثناء جلسات المجلس. ويتبين من هذا النص أن الحصانة الموضوعية ارتبطت أساسا بالعمل البرلماني الذي يمارس داخل مجلس النواب، وذلك حماية لحرية النقاش واستقلال السلطة التشريعية، ولا تشمل جميع التصرفات والأقوال التي تصدر عن النائب خارج قبة البرلمان.

ومن ثم، فإن الزيارات الميدانية التي يقوم بها أعضاء مجلس النواب تمثل وسيلة مشروعة وضرورية لمتابعة القضايا الوطنية، والوقوف على واقع الإدارة العامة، وإبقاء النائب على تواصل مع ناخبيه ودائرته الانتخابية، إلا أنها يجب أن تبقى في إطار جمع المعلومات والتحقق من الوقائع، وذلك تمهيدا لاستخدام الأدوات الرقابية التي قررها الدستور. فإذا تحولت هذه الجولات الميدانية إلى ممارسة لاختصاصات تنفيذية، أو إلى تدخل مباشر في أعمال الإدارة تحت ستار الرقابة البرلمانية، فإنها تخرج عن نطاق الوظيفة النيابية، وتعد خرقا لمبدأ الفصل بين السلطات الذي يشكل أحد الأسس الجوهرية للنظام الدستوري الأردني.

وعليه، وحرصا على توضيح دور النائب خارج جلسات المجلس الرقابية، فإن الحاجة أصبحت قائمة إلى أن يتضمن النظام الداخلي لمجلس النواب، أو مدونة السلوك النيابية، أحكاما أكثر وضوحا تنظم هذه الممارسة، وتبين حدودها وضوابطها، بما يعزز الدور الرقابي للمجلس، ويحافظ في الوقت ذاته على استقلال السلطة التنفيذية واحترام اختصاصاتها.

إن نجاح العمل البرلماني لا يقاس بعدد الزيارات الميدانية التي يقوم بها النواب، ولا بما يبديه بعضهم من اندفاع في مواجهة الإدارة العامة، وإنما بمدى قدرتهم على تحويل ما تكشفه هذه الجولات من وقائع إلى مساءلة دستورية تمارس داخل مجلس النواب. فالميدان يمد النائب بالمعلومة، أما الرقابة البرلمانية فلا تكتسب وصفها الدستوري الكامل إلا عندما تمارس تحت قبة البرلمان، وبذلك يتحقق التوازن بين تمكين النائب من أداء وظيفته الرقابية، وضمان ممارسة الحكومة لولايتها العامة في إدارة شؤون الدولة الداخلية والخارجية.الرأي

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

[email protected]

قد يعجبك ايضا