لقد شبعنا من كل هذا العبث
ماهر ابو طير
أدخل ذلك المقهى، لأقابل صديقاً، ويصادف وجودي عشرات الشباب ذكوراً وإناثاً من أعمار دون العشرين، وكلهم من الأردن، ولا أحد يتحدث مع الآخر باللغة العربية، ولا بأي مفردة.
قبل ذلك بشهور، في سوبرماركت في عمان ينزل إليه عشرات الطلبة من مدرسة خاصة لشراء احتياجات نثرية، ويمازح الطلبة بعضهم بعضا باللغة الإنجليزية، وتعلو أصواتهم، وأنا أسمع وأتابع، وتأخذني الصورة إلى مغتربات عشنا فيها، وإلى أسفار في دول غربية بعيدة.
عشت في لندن فترة ليست بالقصيرة، وعملت في الإعلام فيها، وكنت أخالط البريطانيين، في القطار، وفي محال السوبرماركت، وفي الحدائق وكل مكان، ولم أسمع مواطناً بريطانياً واحداً يتحدث مع بريطاني آخر بالفرنسية، أو العربية، أو أي لغة، وحتى أنت الذي تعيش معهم عليك أن تتعلم لغتهم لتحادثهم لا أن يتعلموا لغتك، وأن تفهم ثقافتهم، مثل ثقافتك.
في رحلة سابقة إلى إسطنبول وأنقرة، كان غريباً لي، وربما لأنها المرة الأولى التي أسافر فيها إلى تركيا، ألا تجد مواطناً من تركيا يتحدث إليك بلغتك، أو بالإنجليزية، فالتركي لا يتحدث إلا بالتركية وعليك أن تتدبر أمرك معه، أو أن تبحث عن ترجمة مباشرة عبر الذكاء الاصطناعي.
أنا لست ضد التعلم، ولا إجادة لغات الآخرين، ولا السفر، ولست منغلقاً، وأؤمن أن الحياة تقوم على تبادل المعرفة والثقافة والمعارف والعلم، لكن يلفت انتباهي الأمر في الأردن وربما في دول عربية ثانية؛ أن هناك تفكيكاً للهوية القومية والدينية والثقافية، لأن حديث العرب مع بعضهم بعضاً بالإنجليزية لا يعبر عن تطور ولا عن ثراء الأب الذي أرسل ابنه إلى مدرسة خاصة، بل إنه انسلاخ شبه كامل عن الهوية الأصلية، وهو انسلاخ بالضرورة يشمل حزمة أوسع.
لماذا لا يتعلم العربي اللغة الإنجليزية ويستعملها في مكانها الصحيح، بدلا من إمالة لسانه في مجتمع عربي، وأين هي صلة كل هذه الأجيال بموروثها، وقضايا أمتها، وقد كان الأولى أن يخرج الآلاف من هؤلاء للحديث عبر السوشيال ميديا بالإنجليزية عن مذابح غزة، وتَسلط إسرائيل على منطقتنا، وكل هذا الاستهداف، وإن كان بعضهم قد فعل ذلك فقد كانوا الأقل بين الكل؟
هذا الكلام لا يعبر عن انغلاق، بل عن حزن على هوية أمة يتم تفكيكها، بكل هذا الهجر الثقافي والاجتماعي للغة، وللبنية الاجتماعية بما تعنيه من معايير، وليس أدل على ذلك من أن هجران اللغة العربية يعني بالضرورة الانفصال عن تاريخ الأردن، والمنطقة، وعدم مبالاة بكل هذه الطواحين التي تؤرق حياتنا في المنطقة، وتهددنا ليل نهار، وتشكل خطراً ماحقاً.
كانت عندي في بيتي إنسانة من إندونيسيا تعمل مساعدة منزلية، وكانت تجهد طوال شهور لتعلم اللغة العربية بشكل صحيح، من أجل أن يساعدها ذلك في قراءة القرآن، وهي التي تصحو على صلاة الفجر لتصلي في موعدها، وترى مقابلها أهل المنطقة من عرب ومسلمين، يهجرون اللغة العربية بذريعة التطور، ولا يصلون فجرا ولا عصرا ويخضعون لعولمة تشطب هوياتهم بشكل كامل وتفصلهم عن منطقتهم، وقضاياها، وتحولهم إلى مجاميع تسكن بيننا ولا تعيش عندنا.
اللغة ليست عنوانا للتعصب، لكنها طاقة روحية تمثل أمة وماضيها وحاضرها ومستقبلها وطريقة تفكيرها، وشطبها بهذه الطريقة لا يجعلك ابن زمنك، بل يفصلك ويجعلك بلا هوية.
ثم تذكروا أن الأمم التي غضبت من المهاجرين لديها في كل أوروبا، انتفضت في وجوههم تريد طردهم، ولم يشفع لهم تغيير اللغة ولا الأسماء ولا اللباس ولا العادات، وهذا يعني أن عليك أن تجد حلاً وسطاً، تنفتح على شعوب العالم وتجاربهم ولغاتهم وتعليمهم، دون أن تشطب موروثك، وهو موروث بالمناسبة مغر جداً لكل الأمم التي تقلدها بشكل أعمى، دون أي تفكير أو تخطيط.
ثم الأسوأ ذاك الذي يحدثك فقرتين بالعربية، ويرمي كلمتين بالإنجليزية وسطهما، وتكاد أن تقول له انزل عن كتفي، فقد مرت علينا كل الأفلام، وشبعنا من كل هذا العبث.الغد