مذكرة سوء التفاهم

13

غسان شربل

إذا كانت مذكّرةُ التَّفاهم الأميركيةُالإيرانيةُ تستحقُّ التسميةَ التي أطلقت عليها، لماذايجري الذي يجري؟ لماذا تعاودُ أميركا هجماتِها التأديبيةَ على أهدافٍ في إيرانَ رداً علىقيامِ الأخيرةِ باستهدافِ السُّفن التي تحاولُ عبورَ مضيق هرمز؟ ولماذا تعاودُ إيرانُاعتداءاتِها على دولِ مجلس التَّعاون الخليجي، بمَا في ذلك تلك التي قامت بوساطاتٍوشجَّعتِ التَّوصلَ إلى تسوياتٍ كما هي حالُ قطر وسلطنةِ عمان؟ وإذا كانت طهرانُتعتبرُ المذكّرةَ انتصاراً لها فلماذا تغامرُ بإمكان سقوطِها تحت وطأةِ الضربات المتبادلة؟

أطلقَ التَّوقيعُ على مذكّرة التفاهم آمالاً متسرعة. كانَ هناك من اعتقد أنَّ المنطقةَ نجتمن فخّ الانزلاقِ إلى فصلٍ أشدَّ تدميراً من الذي شهدته. وثمة من تخيَّل أنَّ إيرانَ نجتمن مواجهةٍ مفتوحة مع أميركا، وأنَّها ستنصرفُ إلى تأمين شروط الحصولِ على الأموالالتي طالَ انتظارُها ويحتاج إليها اقتصادُها المنهك. وهناكَ من بالغَ في التَّوقعاتوتساءلَ عن موعدِ توافد الشَّركاتِ الأميركية إلى إيران. لكنَّ تطوراتِ اليومين الأخيرينتوحي بأنَّ التفاؤلَ في هذا الموضوع يندرج في بابِ التَّسرع، وأنَّ الخلافَ بين واشنطنوطهرانَ أعمقُ وأخطرُ من أن ينهيَه حبرٌ متسرّعٌ نجح في الوصولِ إلى التوقيع بعدمَا تركَهامشاً واسعاً للغموض والالتباسات.

في بغدادَ سمعت كلاماً استوقفني. قالَ المتحدّثُ إنَّ ظروفَ الصفقةِ الكبرى ليستمتوفرة. وأنَّ النظامَ الإيرانيَّ الحاليَّ يخشى تماماً العودةَ إلى الدولةِ الطبيعية. والمقصودُ بالدولة الطبيعية تلك التي تلتزم قواعدَ القانونِ الدولي في التعامل ليسفقط مع مضيق هرمز بل أيضاً مع جيرانها والعالم بأسره. فالدولةُ الطبيعيةُ لا تخوضحروباً بالواسطة. ولا تنشئ جيوشاً صغيرة داخل أراضي جيرانها.

قالَ المتحدّثُ إنَّ النظامَ الإيرانيَّ نظامٌ وُلد حاملاً مهمةً منصوصاً عليها في دستورهوهي «تصدير الثورة» لتغيير المنطقةِ والعالم الإسلامي. لاحظَ أنَّ انكفاءَ إيران إلىداخل حدودها يجعلُ الثورةَ الإيرانية في وضعِ من ينتظر ظهورَ رجلٍ يصالحُها مع العصروالعالم على غرارِ ما فعل دينغ هسياو بينغ مع الثورةِ الصينية وإرثِ ماو تسي تونغ. أمَّاالخيارُ الآخر فهو انتظارُ ظهورِ ميخائيل غورباتشوف إيران يفتحُ بابَ الانهيار على غرار ماحلَّ بالاتحاد السوفياتي. واعتبر أنَّ المأزقَ هو أنَّ إيرانَ الحالية لا تريد أن تتغيَّرَ ولاتستطيع أن تتغير. لم تنجب دينغ ولن تسمحَ بولادة غورباتشوف إيراني.

لم يغير حبرُ مذكّرةِ التفاهمِ خياراتِ من وقَّعوا عليها. لم يتأخر دونالد ترمب في التلويح بغسل  يديه من المذكّرة رداً على السُّلوك الإيراني في هرمز. في المقابلِ تطالبُ إيرانُبتطبيقِ البنود لكنْ وفقَ قراءتها التي تحاول تطويعَ الالتباساتِ لوضعها في خدمةِسياستها. تتصرَّف إيرانُ كأنَّها خرجت من الصّدام مع أميركا وإسرائيل بلقبِ الدَّولةالكبرى في الإقليم. تتذرَّع بالاشتباكِ مع أميركا لقصفِ جيرانها عقاباً لهم على استضافةِوجودٍ عسكري أميركي أو اتفاقات دفاعية وأمنية مع واشنطن. تجيز إيرانُ لنفسهاالمرابطةَ داخل أراضي الدول الأخرى ومن دون استئذان سلطاتها وتنكر على الدولالمجاورة حق إبرام اتفاقات ساهم السلوك الإيراني السابق والحالي في تأكيد الحاجةإليها. تتصرَّف إيرانُ وكأنَّ ورقةَ الإمساك بخناق الاقتصاد العالمي في هرمز يمكن أنتكونَ العمودَ الفقريَّ لتحولها دولةً كبرى في الإقليم بعدما تعذَّر هذا التحوُّلُ تحتمظلةِ المشروع النووي.

رسالةُ المرشدِ الإيراني مجتبى خامنئي بعد تشييعِ والده واضحةٌ وصارمة. تعهَّدَ على نحو  قاطع بالثَّأر لوالده. كتبَ: «هؤلاء المجرمون الذين توجد قائمةٌ كاملةٌ بأسمائهم منأوّلهم إلى آخرهم سيحملونَ معهم إلى قبورهم أمنيَّة أن يموتوا موتاً هانئاً علىفُرُشِهم». قالَ أيضاً: «قريباً سيؤدّي أفرادٌ من أحرار العالم، كل منهم، جزءاً من هذهالمهمة الإلهية» أي الثأر. وامتناعُ المرشدِ عن الإطلالة حتى في تشييع والده يظهر أن ايران  لا تستبعد على الإطلاق فصولاً جديدة من المواجهة العسكرية. لم يكن متوقعاً أن يكون  كلامُ المرشد بعد تشييعِ والده معتدلاً لكنَّ التَّشديدَ على الثأر وبهذه الصورة يوحي  بأنَّ مذكّرةَ التَّفاهم مرشحةٌ للاصطدام بألغامٍ كثيرة لا تقتصر على تلك التي قيلإنَّها زرعت في مياه المضيق.

من بغدادَ إلى بيروتَ يشعر الصحافي الزائر أنَّ مذكّرةَ التفاهم لم تطلق آليةً لطيصفحةِ المواجهة. تواصل أميركا سياستَها الراميةَ إلى قطع الخيط الإيراني الذي يتيحلطهرانَ تحريكَ بعض الفصائل العراقية في حروب المنطقة، ويتيح لها إبقاءَ المواجهةبين «حزب الله» وإسرائيل قابلة للتجدد في جنوب لبنان. وفي المقابل تتابع ايران سياستها  القديمةَ الرامية إلى قطع الخيطِ الأميركي الذي تعتقد أنَّه وراءَ رفضِ دول عربية الرُّضوخَ للإملاءاتِ الإيرانية بشأن أمنِ المنطقة والقرار فيها.

هل كانت مذكّرةُ التفاهمِ الأميركيةالإيرانية مجردَ محطة مرحلية لتفادي اتساع النزاع ودخوله  في نفق التدمير الواسع؟ هل أملتها أسعارُ الطاقة وعلاقةُ ترمب بالكونغرس  والانتخابات النصفية؟ وهل أملتها من الجانب الإيراني المخاوفُ من تدميرمكلّف للجسورِ ومحطات الطاقة، وهو ما لوّح به ترمب أكثر من مرة؟ أطلَّت مذكرة التفاهم  كحلٍّ ومخرجٍ ومحاولةٍ لإنقاذ المنطقةِ من كارثة كبرى لكنْ هل باتتِ اليوم تحتاج  إلى من ينقذها؟

يقولُ المتشائمون إنَّ الدبلوماسيةَ ترشُّ السّكر على الموت. وتلعبُ مع الوقت. وتخترع آمالاً  غيرَ مبررة. وأنَّ مذكّرةَ التَّفاهم هشَّةٌ وغامضة وأغفلت بنوداً كثيرةً ما ويرشحها لتسمية  مذكّرة سوءِ التفاهم.الشرق الأوسط

قد يعجبك ايضا