أمجد ناصر شاعر الذائقة البدوية التي صقلتها المنافي

10

موسى برهومة

العقبة الإخباري- من الصعب الحديث عن الشاعر الأردني الراحل أمجد ناصر (1955 – 2019) باعتباره، وحسب، شاعر قصيدة نثر كان نداً أصيلاً لنظرائه من الشعراء العربالذين برعوا في هذا الفن، الذي انقسمت واختصمت حوله الحداثة العربية وتجنيساتهاالمتعددة.

على براعة أمجد ناصر في قصيدة النثر، فقد ظل يتمثل حالة المثقف النقدي (والثوريأحياناً) في سائر مشاغله وكتاباته. وعندما ضاقت القصيدة عن الإفصاح المبتغى عنلواعج النفس والتشظيات، وراع الشاعر الخراب في المباني والمعاني، فلجأ إلى الروايةأو السرد المفتوح، وأدب الترحال، وكأنّ صاحب “مديح لمقهى آخر” (1979 و”منذجلعاد يصعد الجبل” (1982 و”رعاة العزلة” (1986 و”سرَّ من رآك” (1994)و”مرتقى الأنفاس” (1996 و”حياة كسرد متقطع” (2004 و”وحيداً كذئب الفرزدق”(2008 ثم “مملكة آدم” (2019)كان يريد الانتقال من الزقاق إلى الشارع، ومنالشرفة إلى الفضاء المفتوح، ومن الواقع إلى التجريد المنفصل عن الميتافيريقا،ليطلق صوتاً أخيراً من الصحراء آتياً من مملكة آدم: لا أعرف شيئاً في هذه الظلمة التيتلفّني. لا أحمل صليباً على ظهري، وليس لي ناقة تنشقُّ من الصخر. أتلمَّس طريقيبالضوء الصادر من عينَيَّ، ولا أرى يدي التي تُلوِّح لجموعٍ وَهْميةٍ، تموجُ تحت سفحالجبل”.

“حيث لا تسقط الأمطار”

قبل هذه الزفرة الأخيرة، كانت أولى تجارب أمجد في السرد روايته “حيث لا تسقطالأمطار” الصادرة عن دار الآداب في بيروت عام 2010، وفيها أقام الكاتب محاكمة علنيةلنصف قرن، لعلها الأكثر جرأة والأصدق طرحاً على ما فيها من مكاشفة عصبها النقدالتحليلي للتجربة السياسية في الأردن (تحديداً)، وخيبة الأمل الشاسعة التي حطمتجدران الأمل بالانبعاث العربي، وإعادة تجديد دماء القومية، والنفخ في رماد الرهاناتالتي أقامتها التيارات والاتجاهات اليسارية، بطوباويتها المغشّاة بضباب الشعاراتالثورية البراقة التي مثّلت حملاً كاذباً، قاد إلى الهزائم التي فاقمتها قوى الفسادوالاستبداد.

ولم يكتف ناصر بهذا الدفق النثري اليسير، بل أتبعه بنص روائي “هنا الوردة” صدر أيضاًعن دار الآداب البيروتية عام 2017، ووصل إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية،وفيه تابع مقطعاً من سيرة “يونس الخطاط”، وهذا اسم فني آخر يلتصق بيحيى الذيغاص في التاريخ لينسج حكاية ذات إسقاطات سياسية، تنهل من المناخ ذاته لروايتهالأولى، ويمكن أن تعد الجزء الثاني من الرواية التي تتحدث عن بلد لا تسقط فيهالأمطار، دفع يونس إلى الهرب تسللاً إلى “المدينة التي تطل على البحر”، متتبعاً أثر ثوارما انفكوا في ذلك الحين يشعلون أقماراً فوق أرفف قلبه الموحشة.

أمجد الذي كان يحيى

طاف أمجد ناصر، الذي اضطر إلى تغيير اسمه الحقيقي (يحيى النميري النعيمات) فيكل المحطات والمنافي التي عاش فيها، منذ غادر الأردن إلى بيروت مع المقاومةالفلسطينية في منتصف سبعينيات القرن الماضي. وظل أمجد لصيقاً بيحيى كأنه أضحىأصلاً. بيْد أنه في “حيث لا تسقط الأمطار” استعار اسماً ثالثاً، كأنّ الأسماء تغدو سجوناًأحياناً.

ديوان شعري (نيل وفرات)

“أمجد” الذي صار “يحيى” تجسد في الرواية الأولى في شخصية “أدهم جابر”، مستعيناًبسلسلة من الاستعارات النفسية التي وجدت في التحايل على الأسماء فسحة إضافيةتحدّث فيها بنبرة لاذعة عن بلاده، في نص سردي سيروي صفى من خلاله جزءاً منحسابه مع الماضي، ومع الأوطان التي تحالفت والمنافيَ في قتل الأحلام وتدجينالإنسان.

جرح مأساوي

هذا الجرح المأساوي ظل هاجساً نازفاً أثر في فكر أمجد وشخصيته وكتابته، من حيثعيشه مضطراً في منافٍ عديدة، بسبب عدم قدرته على العودة إلى بلده خلال فترةالأحكام العرفية (1957-1989) التي فُرضت في أعقاب توترات سياسية وعسكرية كانتترمي إلى إطاحة النظام.

لكنّ المنافي ليست دائماً أمكنة هدّامة للتطلعات، بدلالة أنّ الأماكن التي عاش فيهاأمجد (بيروت، قبرص، لندن) زودت هذا الشاعر البدوي القادم من مدينة المفرق(شمالَ شرقِ الأردن) من “بيت ضابط مدرعات صارم وعاطفي”، بتعبير الشاعر غسانزقطان، بذاكرة صافية عذبة، وصقلت شاعريته، فحدث (ربما في اللاوعي) عناق إبداعيبين الصحراء والمدن المطلة على البحار والسواحل “حيث تسقط الأمطار كثيراً”!

وربما، بدوافع منشؤها الإحساس بالخذلان، أراد أمجد ناصر التعويض و”الانتقامالإبداعي! مما ظنه سبباً في بؤسه وعزلته واقتلاعه، فانبرى إلى الكتابة بجد، بعد أنأعرب في شعره ونثره، عن أنّ الحل الثوري العسكري قد سقط، ولم يعد خياراً للتغيير،وقد عبّر عن أسباب ذلك في كثير من كتبه، وبخاصة “هنا الوردة” حيث شخصية “يونسالخطاط” الحالم بالتغيير الثوري الذي تتكسر أشرعته على صخرة الواقع القاسي،فيتكسر معها قارب يونس، الذي فيه “شيء من التفلت والتمرد والمباشرة في الكلاموالنطنطة المزعجة من الصغر”.

هزيمة الفعل الثوري

بقناعات رجراجة، بدا فيها صاحب “خبط الأجنحة” كأنه يقر بهزيمة الفعل الثوري، يلجأأمجد ناصر إلى “الانتقام الإبداعي”، مطوفاً في الأجناس الكتابية جلها، ومزاحماً أقرانهفي بيئة بيروتية كانت مختبراً مفتوحاً على التجريبية المتطرفة. ولعل أمجد ناصر وجدأنسه في قصيدة النثر بتطرفها التعبيري والشكلي، ورغبة هذه القصيدة المستمرة فيالانقلاب على اللغة والقصيدة الخليلية.

“الانقلاب” ليس مفردة في حال أمجد، بل هو عنوان مركزي في حياة هذا الشاعر التيظلت تسير على حواف البركان، فانقلب على مكانه، ومنفاه، ولغته، وصولاً إلى الانقلابعلى نفسه في رحلة تشبه، كما في “هنا الوردة” مغامرات “دون كيشوت” العبثية،ومكابدات “سيزيف” التي أسس مع صخرته تاريخ الضجر.

يحيى يتأمل النجوم في ليل المفرق

بعد حياة مكتظة بالوثبات الكبيرة والعالية عمل خلالها أمجد ناصر، باجتهاد وإصغاءعميق لكل ما يحيط بحواسه، استطاع هذا المتعدد في الأسماء والإنجازات، أن يكونعلامة مميزة في سياق الثقافة العربية المعاصرة في النصف الثاني من القرن العشرين.

ولا مبالغة في القول إنّ هناك أمكنة تحمل سكانها وأفراد جغرافيتها، وهناك أفراديحملون الأمكنة ويذكّرون بحضورها ويقاومون النسيان، وأمجد واحد من الفريقالثاني، فقد كان سفيراً، من دون رغبته، لبلد لم تكتمل قسوته على الشاعر الذي عادظافراً ليكرم بنيل جائزة الدولة التقديرية (وهي أرفع جائزة في الأردن).

عاد أمجد إلى يحيى النعيمي، وأغمض عينيه على الأبدية، مسنداً رأسه إلى صخرة تتأملالنجوم في ليل المفرق، منتظراً أن تسقط الأمطار، ولو بعد حين.الاندبندنت

قد يعجبك ايضا