ما حدود الدور الصيني في الصراع الأميركي – الإيراني؟

10

العقبة الأخباري- وسط تقارير متزايدة حول نطاق الدور الذي تؤديه الصين في الصراعالأميركيالإيراني والجهد الدبلوماسي الذي يمكن أن تمارسه بكين لتليين مواقفطهران المتشددة للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، تتباين الآراء في الولايات المتحدةحول حدود الدور الصيني في هذه الأزمة بين من يرونه حيوياً ومؤثراً، ومن يرونهمحدوداً لا يختلف عن النمط المألوف الذي سارت عليه بكين في السابق، فما طبيعةهذه التباينات والأسس التي تستند إليها؟ ولماذا يبدو الدور الصيني غامضاً أحياناًومثيراً لقلق واشنطن في أحيان أخرى؟

تدخل حذر

فيما برزت الدبلوماسية الباكستانية في طليعة الجهود المبذولة للتوسط في السلام بينالولايات المتحدة وإيران، مع سعى كبار قادة باكستان إلى الحفاظ على وقف إطلاق النارالهش بين الطرفين المتحاربين، وعرض بلادهم مجدداً كمكان لإجراء محادثاتمحتملة، أطل الدور الصيني برأسه بشكل حذر عبر تكثيف المسؤولين الصينيينجهودهم الدبلوماسية عقب فشل الجولة الأولى من المحادثات الأميركيةالإيرانية فيالتوصل إلى اتفاق سلام، حيث دعا وزير الخارجية الصيني وانغ يي نظيره الباكستاني إلىالمساعدة في الحفاظ على الزخم الذي تحقق بشق الأنفس لوقف إطلاق النار الموقتالذي توصل إليه. وفي حين أكد الوزير الصيني في حديثه مع وزير الخارجية الإيرانيعباس عراقجي أن بكين ما زالت تدعم طهران، لكنه حث أيضاً على إعادة فتح مضيقهرمز لضمان حرية الملاحة، وهو ما يكشف حجم القلق الذي ينتاب الصين من استمرارغلق هذا الممر الحيوي للطاقة والسلع الصينية، إذ ستخسر الصين كثيراً إذا استمرالصراع في إيران بالنظر إلى أن نحو ثلث إجمال واردات الصين من النفط الخام تأتي منالخليج العربي، كما تعتمد الصين بصورة خاصة على الصادرات لدعم اقتصادها،وستؤدي كلف الطاقة المرتفعة إلى انخفاض الطلب على السلع الصينية.

 

1151430-1594229209.png.webp

ينظر البعض في واشنطن بقدر من القلق لدور بكين غير المعلن (رويترز)

هاجس كل اجتماع

طوال اللقاءات التي أجراها بعض القادة في بكين خلال الأيام القليلة الماضية كانالسؤال حول ما يمكن أن تفعله الصين للمساعدة في حل الأزمة هو الهاجس الذي لامفر منه في كل اجتماع، فقد دان الرئيس الصيني شي جينبينغ انتهاك القانون الدوليووصفه بأنه عودة إلى قانون الغاب في إشارة مبطنة إلى الرئيس دونالد ترمب وعرضخطة صينيةباكستانية من خمس نقاط لحل الأزمة التي أعلن عنها للمرة الأولى فيبكين في الـ31 من مارس (آذار) وتتضمن وقفاً فورياً لإطلاق النار، وبدء محادثاتالسلام، ووقف الهجمات على الأهداف المدنية، وضمان مرور السفن بأمان عبر مضيقهرمز، واحترام ميثاق الأمم المتحدة.

لكن بنود هذه الخطة لا تقدم أكثر من دعوة إلى الجميع لاحترام مبدأ السيادة والقانونالدولي، مما يعكس كيف تجنبت الصين بحذر شديد، التورط بشكل مفرط في الأزمة علىرغم تزايد قلقها في شأن تأثير الحرب في اقتصادها، ويشمل ذلك تجاهلها الدعواتالإيرانية للصين بضمان أمنها، وأنها لم تستخدم نفوذها أيضاً كأكبر شريك تجاري لإيرانفي الضغط على طهران لقبول المطالب الأميركية.

قلق أميركي

على رغم الدور الدبلوماسي الصيني الحذر في هذه الأزمة العالمية، ينظر البعض فيواشنطن بقدر من القلق لدور بكين غير المعلن الذي أشارت إليه بعض التقاريرالمنشورة أخيراً في صحيفة “نيويورك تايمز” وشبكة “سي أن أن” على سبيل المثال حينأفادت بأن وكالات الاستخبارات الأميركية حصلت على معلومات تفيد بأن الصين ربماأرسلت في الأسابيع الأخيرة شحنة من الصواريخ المحمولة على الكتف إلى إيران لدعمنزاعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل على رغم عدم توافر دليل قاطع بأن بكين فعلتذلك، لكن المتشككين من الدور الصيني، بصورة عامة، كخصم استراتيجي للولاياتالمتحدة، يرون أن حتى مجرد النقاش الدائر في بكين حول إرسال صواريخ إلى إيرانيشير إلى مدى شعور الصين بأهمية هذا النزاع، ويشيرون إلى استخلاص وكالاتالاستخبارات الأميركية أن الصين تتخذ موقفاً مؤثراً في الحرب بشكل سري، عبرسماحها لبعض الشركات بشحن مواد كيماوية ووقود ومكونات يمكن استخدامها فيالإنتاج العسكري إلى إيران تحت ستار الاستخدام المزدوج.

اكتسبت هذه التقارير زخماً خلال الأيام القليلة التي سبقت اتفاق وقف إطلاق النارحينما أسقط الإيرانيون طائرتين مقاتلتين أميركيتين عبر صواريخ محمولة على الكتف،يعتقد الأميركيون أنها صينية تعرف باسم “مانباد”، قادرة على إسقاط الطائرات التيتحلق على ارتفاعات منخفضة.

وبينما نفى المتحدث باسم السفارة الصينية لدى الولايات المتحدة أن تكون حكومتهقد أرسلت صواريخ إلى إيران خلال الحرب، إلا أن ذلك لم يخفف من نظرة المتشككينفي الدور الصينيالروسي المشترك الذي يرون أنه يمثل فرصة ذهبية لخصوم أميركاالأقوياء لرفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة، وربما توريط الجيش الأميركي أكثر فيصراع يمكن أن يضعف قوة الولايات المتحدة ودورها المهيمن في أنحاء العالم كافة،بخاصة بعدما رصدت وكالات الاستخبارات الأميركية أدلة على أن روسيا زودت الجيشالإيراني بمعلومات استخباراتية فضائية محددة لمساعدة “الحرس الثوري” الإيرانيعلى استهداف السفن الأميركية، فضلاً عن المنشآت العسكرية والدبلوماسية في جميعأنحاء الشرق الأوسط.

محور الاستبداد

بحسب تقرير صادر عن لجنة مراجعة العلاقات الاقتصادية والأمنية بين الولاياتالمتحدة والصين، وهي هيئة أنشأها الكونغرس لدراسة العلاقات الثنائية الأميركيةالصينية، شكلت المشتريات الصينية نحو 90 في المئة من صادرات النفط الإيرانية، ممايوفر عشرات المليارات من الدولارات كإيرادات سنوية تدعم موازنة الحكومة الإيرانيةوأنشطتها العسكرية.

في العام الماضي صنفت اللجنة العلاقة بين الصين وإيران ضمن ما يعرف “بمحورالاستبداد” غير الرسمي، إذ تساعد الصين إيران على الالتفاف على العقوبات الأميركيةومواصلة أنشطتها المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط، وبينما تزود إيران الصينبالنفط بكلفة منخفضة نسبياً، تشارك طهران جهود بكين لتقويض النظام العالمي الذيتقوده الولايات المتحدة، بما في ذلك من خلال منظمات متعددة الأطراف بديلة مثلمجموعة “البريكس” و”منظمة شنغهاي للتعاون”.

إضافة إلى توقيع بكين وطهران “اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة” عام 2021 تغطيالتعاون الاقتصادي والأمني والتكنولوجي بين البلدين على مدى 25 عاماً، تمكن الصينإيران من تخفيف آثار العقوبات الدولية عبر شبكاتها التجارية والمالية، ونقلالتكنولوجيا، والتجارة ذات الاستخدام المزدوج، وتسهل البنوك الصينية وشركاتهاالوهمية وشركات الوساطة عمليات بيع النفط، والأسطول غير الرسمي الذي ينقلالنفط الإيراني، والوصول إلى التقنيات الخاضعة للرقابة التي تدعم برامج الصواريخوالطائرات المسيرة الإيرانية، فضلاً عن عمليات غسل الأموال التي تمكن كل ذلك.

ويشارك البلدان في مناورات مشتركة في أطر ثلاثية (مع روسيا) ومتعددة الأطراف (بمافي ذلك منظمة شنغهاي للتعاون) بينما تشير التقارير إلى أنه بعد بدء الضرباتالأميركية لإيران، سمحت الصين لسفينتين إيرانيتين مملوكتين للدولة في ميناء صينيبتحميل بيركلورات الصوديوم، وهي مادة تستخدم في وقود الصواريخ الصلب.

لحظة حساسة

غير أن اللحظة الحساسة التي تتسم بها العلاقات الأميركيةالصينية والزيارة التييعتزم الرئيس ترمب القيام بها إلى بكين الشهر المقبل للقاء الرئيس الصيني، في قمةمن المتوقع أن تركز على مجموعة من القضايا التجارية والتكنولوجية والعسكرية،تجعل الحديث عن دور عسكري صيني مناهض للولايات المتحدة أمراً مبالغاً فيه كونهسيشكل منعطفاً شديد الخطورة في علاقة ذات أبعاد متعددة واسعة النطاق بين أكبرعملاقين اقتصاديين في العالم.

تدرك الصين أيضاً افتقارها إلى القوة العسكرية اللازمة لفرض إرادتها، إذ يرجع جزء منتردد بكين في الانتظام بشكل أكبر في الأزمة الحالية في الشرق الأوسط إلى مسألةالقدرات، فالجيش الصيني المتنامي بسرعة لا يمتلك شبكة واسعة من القواعدالخارجية كما هي الحال بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ويقتصر وجودها الخارجي علىنشر قوة مهام مخصصة لمكافحة القرصنة في خليج عدن منذ عام 2008.

ولهذا سيكون من الصعب جداً على الصين توفير ضمانات أمنية لإيران، وإذا أرادتالولايات المتحدة من طهران التخلي عن برنامجها النووي كما تحاول الآن، فلا سبيلللصين لإجبارها على ذلك، بخاصة أن بكين مقيدة بأولويات متضاربة، فهي في حاجةإلى إدارة التداعيات الاقتصادية لأزمة الطاقة، وإعادة ضبط علاقاتها مع واشنطن قبلقمة الرئيس شي جينبينغ والرئيس ترمب، والحفاظ على علاقاتها مع إيران ودول الخليجالتي تعرضت لهجمات من طهران.

نهج عدم التدخل

ترغب الصين التي كثيراً ما ادعت عدم تدخلها في شؤون الدول الأخرى، في أن ينظرإليها كقائدة عالمية وفقاً لشروطها الخاصة، وعلى عكس الولايات المتحدة، التيحافظت على هيمنتها فترة طويلة من خلال تحالفاتها الدفاعية، لا تملك الصين سوىحليف واحد بموجب معاهدة بينهما، وهو كوريا الشمالية، ولا يرغب حكام الصين فيالتزام الدفاع عن دولة أخرى، خشية الانجرار إلى حرب مكلفة تقوض في نهاية المطافقوة بلادهم. وعلى رغم الأخطار الاقتصادية الناجمة عن الحرب، التزمت بكين نهج عدمالتدخل، فهي تخشى التورط في صراع عارضته ولا تملك فيه نفوذاً يذكر، بخاصة بعدفرض الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية، وتزايد الضغط على بكين لحثطهران على قبول شروط تنهي الحرب وأزمة الطاقة العالمية، لكن يبدو أن بكين لا تملككثيراً لتفعله، للضغط على شريكتها في الشرق الأوسط، إذ لا يرغب حكام الصين فيالتزام الدفاع عن دولة أخرى، خشية الانجرار إلى حرب مكلفة تقوض في نهاية المطافقوة بلادهم.

وإذا كان القادة الصينيون يميلون إلى اعتبار التدخلات الأميركية في الشرق الأوسطمحركاً رئيساً لتراجع أميركا، وليس لديهم أي رغبة في اتباع هذا النهج كما تشير الباحثةفي مركز “جون ثورنتون” التابع لمعهد “بروكينغز”، باتريشيا كيم، فإن مساعدة الولاياتالمتحدة أو إسرائيل ليس من نيات الصين أيضاً لأنها عارضت هذه الحرب منذ البدايةكما يقول ديغ لونغ، الأستاذ في معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة “شنغهاي”للدراسات الدولية. وعلى رغم أن الحرب تفيد بكين أيضاً لأنها تبقي الولايات المتحدةمنشغلة في الشرق الأوسط بدلاً من التركيز على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، أوردع تهديدات الصين بضم تايوان، التي تعدها بكين جزءاً من أراضيها، فإن الأضرارالاقتصادية المتمثلة في تناقص الاحتياطات النفطية الاستراتيجية تتجاوز المكاسبالجيوسياسية بكثير.

تجنب اللوم

لا ترغب الصين أيضاً في تحمل اللوم حال فشلت محادثات السلام، والدليل على ذلكأنه عندما أشاد مسؤولون إيرانيون بالصين لمساهمتها في إقرار اتفاق وقف إطلاق النارالأسبوع الماضي، لم تؤكد بكين أو تنفي أي دور لها في هذا الشأن، مما يشير إلى أنبكين، المتخوفة من احتمال فشل وقف إطلاق النار، لم تلعب سوى دور غير مباشر فيالمحادثات، واقتصر دورها في أقصى الأحوال على تشجيع الأطراف على الجلوس إلىطاولة المفاوضات، مما يعني أن إيران ربما تبالغ في تقدير دور بكين لتكون أكثر التزاماًبأي اتفاق مع الولايات المتحدة.

يفسر ذلك الخطاب العلني الصيني خلال الحرب الإيرانية الذي كان محايداً في معظمه،ربما بسبب العلاقات الاقتصادية الوثيقة التي تربط الصين بالدول العربية في الخليجالعربي التي تعرضت لهجمات إيرانية خلال النزاع، وبحسب الباحثة في مركز الدراساتالاستراتيجية والدولية في واشنطن هنرييتا ليفين، تبدي الصين اهتماماً أكبر بالعلاقاتمع شركائها في الخليج مقارنة بإيران، لأن العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية والمتعلقةبالطاقة مع دول الخليج تعد، من نواحٍ كثيرة، أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجيةبالنسبة إلى الصين من أي علاقة تربطها بإيران.الاندبندنت.

قد يعجبك ايضا