“تسويات منقوصة” لا سلام

5

نادية سعدالدين

ما يدور حالياً في غزة ولبنان يُعد نتاج اتفاقيات مجزوءة هشة سرعان ما تتهاوى أمام أطماع العدو الصهيوني ونزعته العدوانية المُتطرفة والمُتجاوزة لحدود المساءلة الدولية، ما يجعلها قابلة للتساقط باستمرار دون أن تعرف المنطقة أجواء السلام والاستقرار قط، طالما تأطرت ضمن تسويات منقوصة آيلة للانهيار في أية لحظة، وطالما لم يتم معالجة أصل المشكلة المُتمثلة في وجود الاحتلال وسرقة الحقوق الوطنية المشروعة وإنكارها إن هناك فرقاً كبيراً بين مفهومي التسوية والسلام؛ فالتسوية قدتتم في ظل خلل بموازين القوة حين يتمكن طرف من فرض معظم شروطه، لكنالتسوية المفروضة بالقوة ليست قابلة للدوام وتُصبح معرضة للانهيار بمجرد تغيرالموازين التي أفرزتها. أما السلام فلا يتحقق إلا بإزالة أسباب الصراع و/ أو القبولالطوعي لحل وسط يأخذ في الاعتبار حقوق ومصالح جميع الأطراف ويوفق بينها علىنحو مبتكر. وحتى لو كانت احتمالات التسوية ما تزال واردة، لكنها تسوية لن تفضي إلىوضع حد للصراع، وإنما ستعمل فقط على تغيير نمط تفاعلاته وإدارته بوسائل وأساليبأخرى.


فالفجوة ما تزال كبيرة بين شروط الحد الأدنى للتسوية المقبولة فلسطينياً وعربياً علىالصعيد الرسمي، والتسوية كما يريدها الاحتلال أو كما يتصور أنه قادر على فرضها. فالكيان الصهيوني لم يقبل حتى الآن بالانسحاب رغم قبول الجانب الفلسطيني والعربيبه وتخليهم عن مقولاتهم السابقة بتحرير كامل الأرض، فالتسوية التي يمكن أن يقبلبها في ظل موازين القوى الحالية لن تلزمه بالانسحاب من الأراضي الفلسطينيةوالعربية المحتلة، ولن تُجبره على تغيير موقفه الرافض لحق عودة اللاجئينالفلسطينيين إلى ديارهم وأراضيهم التي هُجروا منها بفعل عدوانه عام 1948، لأنالقبول بها يعني انهياره وزوال الركائز التي يقوم عليها.


ورغم كل المبادرات والطروحات المتوالية، ورغم السياسات «الاسترضائية» التيقدمتها السلطة الفلسطينية للكيان المُحتل، إلا أن الصراع لم ينتهِ، فما زال جوهرهقائماً بدون حل، وما يزال يدور حول الحقوق العربية المشروعة في الأراضي العربيةالمحتلة وأسس السلام العادل والشامل والدائم ومفهوم الأمن المتبادل، إزاء فشلالمسار التفاوضي منذ انطلاقه قبل اتفاق «أوسلو» (1993) وما بعده في إحراز تقدمٍفي أي من قضايا حق عودة اللاجئين والقدس والاستيطان والأمن والمياه والحدود،بينما أضحى خيار الدولة الفلسطينية المستقلة والمتصلة يتآكل تدريجياً بحكم سياسةفرض الأمر الواقع الصهيونية بالاستيطان والتهويد وجدار الفصل العنصري.


إن اضطرار الكيان المُحتل، تحت وطأة ضغوط دولية، للقبول بالانسحاب من الأراضيالمحتلة وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وإزالةالمستوطنات، والتوصل إلى حل عادل متفق عليه بشأن قضية اللاجئين الفلسطينيينوفق القرار الدولي 194، حسب المطلب العربي الرسمي المُدرج في إطار المبادرةالعربية للسلام التي رفضها الاحتلال بداية قبيل موافقته على التعاطي معها بوصفهاأفكاراً للتفاوض مع إخراج حق العودة والمستوطنات والقدس من المعادلة، يعد أمراًمشكوكاً في تحققه، ليس فقط بسبب المنطلقات الفكرية والمرتكزات الصهيونية التييقوم عليها الكيان المُحتل، بمختلف توجهاته اليسارية واليمينية والدينية، وإنما، أيضاً،لأن القبول بها يحمل نُذر نهايته.


وإذا كان تحقق إنهاء الصراع العربي – الصهيوني ليس مستحيلاً، ولكنه صعب المنال اليوم بسبب طبيعة الاحتلال نفسه وتعقـد الصراع وتعدد أبعاده وأطرافه، وارتهانه بجملة متطلبات قد تحتاج لأكثر من الظروف الإقليمية والدولية الراهنة، إذ يتطلب الاستعداد له استمرار المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وتحقيق الدعم العربي والإسلامي لها، والتصدي لمحاولات الإجهاز عليها وإجهاضها، وإنجاز الوحدة الوطنية الفلسطينية، ووضع استراتيجية عربية إسلامية لإدارة الصراع وصولاً إلى حله، وعدم الارتهان إلى حدوث تغييرات في النسق الدولي فقط، رغم أهميتها. وقد تتبدل الأولويات هنا، ولكن يبقى المحدد الأساسي فيها استمرار المقاومة والدعم العربي الإسلامي لها والقدرة العربية الفلسطينية على حسم الصراع لصالح الحقوق الوطنية المشروعة.


إن أية تسوية قد يتم التوصل إليها لن تُنهي الصراع العربيالصهيوني، ولن تكونقادرة على إنهاء جوانب الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني، حيث ستبقىقضايا جوهرية عالقة تشكل أساس الصراع، في ظل شكوك بالتزام الكيان المُحتل بأياتفاق تسوية يتم التوصل إليه، قياساً بتجارب سابقة.الغد

قد يعجبك ايضا