آل هيكل وآل الخالدي والعرب وإيران!

11

عندما كان السجال يدور بين عمرو موسى وعبد الرحمن الراشد بشأن فلسطين وإيران،توفي وليد الخالدي بأميركا عن مائةٍ وأربعة أعوام. والدكتور الخالدي ابن الأسرةالمقدسية الشهيرة، وقد كتب كثيراً في القضية ودرّس بكبرى الجامعات وأسهم فيإنشاء المؤسسات البحثية. ورغم أكاديميته المتميزة فهو ظل أدنى إلى أن يكون ناشطاًمستميتاً من أجل فلسطين وضد السياسة الأميركية في الشرق الأوسط منذ سبعيناتالقرن الماضي. لكن وليد الخالدي ومنذ عقود عدة متحزب ضد العرب ومعتقد أنه لولاإيران «العاملة من أجل القضية» لسيطرت إسرائيل بمعاونة أميركا على المنطقة،وأنهوا القضية الفلسطينية! ومع أنه في الحرب الأخيرة ما عاد واعياً فإنه في حرب«حماس» عام 2023 تجدد أمله في أن تتمكن إيران وأذرُعها من تحويل مجرىالأحداث لصالح القضية وصالح إخراج أميركا من المنطقة وكبح جماح إسرائيل!

الأستاذهكذا يسميه مريدوه في مصرمحمد حسنين هيكل كان هائماً أيضاً بإيران،وزارها إبان الثورة وكتب عنها كتابه: «مدافع آيات الله». وهو مثل الخالدي في اعتقادهأن العرب تخلوا عن القضية، وأن الإيرانيين تولوها بدلاً عنهم. لكنه مختلف عن الخالديفي الأسباب. فهو يعتقد أنّ الزعامة المصرية للعرب في زمن جمال عبد الناصر كانتهي المؤهَّلة للوصول إلى حلٍّ عادل، وأنّ من جاءوا بعد عبد الناصر أخطأوا في إدارةحرب أكتوبر وتقدير نتائجها، وأنّ «كامب ديفيد» أخرجت مصر بـ«مؤامرة» من الصراعالذي نهضت الثورة الخمينية لمتابعته!

لماذا هذا الحرص الإيراني على القضية بحسب المدرستين؟

وليد الخالدي يعتقد أنّ السبب هو الصراع مع الولايات المتحدة للخروج من الطوقالإمبريالي، واعتبار القضية جزءاً من عملية التحرر باعتبار أن إسرائيل هي وكيلةالإمبريالية بالمنطقة. لكن مع صعود التيارات الإسلامية مثل «حماس» و«الجهاد» ماعاد عند الخالدي تحفظ في إدخال العامل الآيديولوجي. أما لدى هيكل فإنّ هذا العاملحاضرٌ منذ البداية والدستور الإيراني يتحدث عن تصدير الثورة ليس بمعنى مصارعةالإمبريالية بالدرجة الأولى، بل بدوافع دينية.

لدى الرجلين وقد صارت آراؤهما مدرستين في العالم العربي هذا الاستخفاف وهذهالاستهانة واعتقاد التآمُر! وهما معجبان بتركيا وإيران، وبخاصةٍ إيران من جانب وليدالخالدي. فإذا قيل للخالدي: لكنّ تركيا في حلف الأطلسي ولديها علاقات بإسرائيل،اعتبر العرب هم المذنبين لعدم إحسانهم التعامل لا مع تركيا الكمالية ولا مع تركياالإسلامية! وفي عام 2010 في قمة سِرت بليبيا اقترح عمرو موسى، وكان الأمين العامللجامعة، إدخال تركيا وإيران عضوين مراقبين بالجامعة العربية فاعترض عليه سعودالفيصل قائلاً: «لا شكّ أننا نعاني من خواءٍ استراتيجي، لكن لم يبلغ بنا الذل أن نُدخلالذئب إلى كرْمنا وهو لا يزال يعتدي علينا ويتجاهل مصالحنا!».

لا يستطيع أحدٌ الاعتزاز بالعلاقة مع أميركا باستثناء إسرائيل. لكن «يسوانا ما يسوىالعالم» كما يقال من أجل كفّ الأذى. إنما لا يستطيع عربي عاقل أيضاً الاعتزاز بعلاقةٍمع إيران في زمان دولة ولاية الفقيه. فقد دمرت أربع دول عربية، وافتخرت بالاستيلاءعلى أربع عواصم عربية. وها هي في الحرب الأخيرة تشن هجماتٍ على دول الخليجالست للإضرار والاستكبار والكراهية التي لا مسوِّغ لها.

يسيطر على مدرستي التذاكي والاستتباع الآن خطاب نتنياهو أنه سيغير بحروبه وجهالشرق الأوسط. وهم يخشون أن تصبح إسرائيل وكيل أميركا في الشرق الأوسط، وأنتنتهي القضية الفلسطينية! وبالطبع لن يحصل هذا ولن تنتهي القضية الفلسطينية؛لكن ليخبرونا لماذا تضرب إيران التي يريدونها أن تحرر فلسطين الدول العربية دائماً؟ذوو الميول الإيرانية في العراق يهددون الآن سوريا التي ما صدّقت أن خرجت منالحروب الإيرانية لكنها لم تخرج بعد من الحرب الإسرائيلية.

في أزمنة الشدائد تنشأ لتعليل النكسات مدارس للتذاكي والتعالُم، والافتقار للثقةبالنفس. ومدرستا الخالدي وهيكل من هذا النوع. ولا نحتاج إلى أي منهما أو تعاليمهمالنعرف ماذا علينا أن نفعل. كنا عرباً وسنبقى. لن نخجل بعروبتنا ولا بدولنا:

نحن كنا سكانها من قريشٍ/ وبنا سُميت قريشٌ قريشاً

الشرق الأوسط

قد يعجبك ايضا