“السلام الازرق”:السياسة الهادئة لاعادة تشكيل التفاعل في الشرق الاوسط عبر دبلوماسية المياه

33

كتبت ريم الرواشدة

في منطقتناالشرق الأوسطلا تتحرك السياسة دائمًا عبر القمم السياسية و بياناتهاالنارية، أحيانًا، تتقدم بخطوات هادئة عبر ملفات تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تحملفي جوهرها رهانات إستراتيجية عميقة، ولعل ملف المياه العابرة للحدود بات اليومأحد أبرز هذه المساحات التي تعاد فيها صياغة قواعد التفاعل الإقليمي، لتتسللالسياسة بهدوء عبر أنابيب المياه وجداول الأنهار وتقارير التعاون التقني.

في التقرير الصادر عن مبادرة السلام الازرق للعام 2025 حول تطورات التعاون الثنائيوالمتعدد بين الدول الأعضاء في في المبادرة، يكشف صورة مغايرة لما اعتادت عليهالسرديات السياسية والإعلامية في المنطقة.

إذ أن دبلوماسية المياه أصبحت واحدة من أكثر أدوات التواصل الإقليمي مرونةوواقعية. فبينما تتعثر الحوارات السياسية الكبرى، تستمر اللقاءات الفنية وتبادلالبيانات والمشاريع المشتركة في رسم خريطة مختلفة للتفاعل بين دول من المنطقة،تتباين في مصالحها وتحالفاتها.

قد يبدو هذا النوع من التعاون محدود التأثير للوهلة الأولى، لكنه في الواقع يفتحالمجال أمام ما يمكن وصفه بـ”السياسة الهادئة” أي إدارة التنافس من دون صداممباشر، وبناء مساحات تواصل لا تفرض التزامات سياسية ثقيلة أو تنازلات علنية، بلسياسة التراكم البطيء، حيث تبني الخطوات الصغيرة أرضية يمكن أن تقوم عليهاتفاهمات أكبر في المستقبل.

فالمياه، بوصفها موردًا حيويًا ومشتركًا، تتيح للدول التحرك تحت مظلة الضرورة،حيث يصبح التعاون خيارًا عمليًا أكثر منه موقفًا سياسيًا.

الأهم أن هذا النوع من التعاون يعكس إدراكا متزايدًا بأن أمن المنطقة لم يعد يُقاسفقط بميزان القوة العسكرية أو التحالفات التقليدية، بل بقدرتها على إدارة الأزماتالمشتركة مثل الجفاف وتغير المناخ وتهديدات الأمن الغذائي، وهو ما يحول المياه منملف نزاعي محتمل إلى منصة لبناء اعتماد متبادل.

هنا تبرز أهمية مبادرة “السلام الأزرق”، وهي مبادرة إقليمية غير حكومية تُعد الأولى مننوعها في المنطقة، تقوم فكرتها على تحويل المياه من مصدر محتمل للصراع إلى أداةلتعزيز التعاون والسلام، عبر جمع خبراء المياه والأكاديميين وصناع القرار والإعلاميينضمن منصة حوار تمتلكها دول المنطقة نفسها.

ومن خلال شراكات تمتد إلى العراق والأردن ولبنان وسوريا وتركيا وإيران، تسعىالمبادرة إلى بناء حد أدنى من الاعتماد المتبادل، قائم على المصالح المشتركة لا علىالاصطفافات السياسية. وفي منطقة تشهد مستويات عالية من عدم الثقة، يصبح مجرداستمرار الحوارحتى وإن كان في إطار فنيإنجازًا بحد ذاته.

هذا الطابع الإقليمي يمنح المبادرة قدرًا من المصداقية والمرونة في آن واحد،ويجعلها قادرة على التحرك في مساحات قد يصعب على الأطر الرسمية الوصول إليها.

كما تعمل المبادرة على ربط ملف المياه بقضايا أوسع مثل أمن الغذاء والطاقة وحمايةالنظم البيئية في ظل تسارع تأثيرات التغير المناخي. وهذا الربط ليس تقنيًا فقط، بليعكس تحولًا في التفكير السياسي نحو مفهوم الأمن الشامل، حيث تتقاطع التحدياتالبيئية مع الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وحتى الأمني.

من المؤكد ، أن لا تغيّر دبلوماسية المياه خريطة التحالفات بين ليلة وضحاها، لكنهاحتما تساهم في إعادة تشكيل البيئة التي تتحرك فيها هذه التحالفات، وربما يكون هذاالنوع من “السياسة الهادئة” هو ما تحتاجه المنطقة فعلًا لبناء مستقبل أقل توترًا وأكثرواقعية.

قد يعجبك ايضا