“منتدى العصرية”:شلحت يفكّك مستقبل حكومة نتنياهو داخل تحولات إسرائيل العميقة

26

العقبة الإخباري- استضاف منتدى العصرية، الشخصية الفلسطينية أحد أبناء فلسطين من اراضي عام ١٩٤٨ الاستاذ أنطوان شلحت.

رئيس المنتدى الاستاذ الدكتور أسعد عبدالرحمن قدم الضيف واصفاً  شلحت  بأنه«مفكّك في التحليل السياسي» لا يكتفي بسرد الوقائع، بل ينفذ إلى البنى الداخليةللمجتمع الإسرائيلي في أبعادها الثقافية والاقتصادية والدينية، ليستخلص الفجواتالعميقة التي تربط بين الظواهر والتحولات.

وقال: إن المنتدى ظل وفياً لتقليد راسخ يقوم على مقاربة القضايا السياسية من مدخل فكري نقدي

كما استحضر  الدكتور عبدالرحمن لقاءات سابقة جمعته بشلحت ومحمود درويشوسميح القاسم ومعين بسيسو علاوة على كوكبة من المثقفين الفلسطينيين في لندنفي عام 1982، والتي تركت ــ بحسب تعبيره ــ أثراً معرفياً وشخصياً عميقاً.

وأعلن خلال المحاضرة ما قبل الأخيرة من الموسم الثقافي لـ” منتدى العصرية” عنوانالمداخلة: «مستقبل حكومة نتنياهو»، مشيراً إلى أن بنيامين نتنياهو تحوّل إلىشخصية مركزية في تاريخ المستعمرة الإسرائيلية، بوصفه «ساحر إسرائيل» الذي حكممدة أطول من ديفيد بن غوريون نفسه، وحفيد السلالة الفكرية لجابوتنسكي، حيث ظل  مشروعه السياسي معبّراً عن أقصى اليمين حتى عندما ارتدى أحياناً قناع الوسطية، قبلأن ينكشف بصورة أكثر صراحة خلال السنوات الأخيرة في سعيه إلى تكريس إسرائيلبوصفها «الدولة المهيبة على الإقليم الشرق أوسطي» وتصفية الطموح الوطنيالفلسطيني.

من جهته، بدأ الأستاذ  شلحت، مداخلته بالتأكيد على أنه يفضّل أن يكون اللقاء حواراًمفتوحاً أكثر منه محاضرة أحادية الاتجاه، مقترحاً تقديم استهلال أولي يثير الأسئلةوالتعقيبات بما يجعل النقاش أكثر حيوية وتفاعلاً.

وانتقل الاستاذ المحاضر مباشرة إلى جوهر الموضوع، مشيراً إلى أن مستقبل حكومةنتنياهو يتحدد على خلفيات متشابكة داخلية وخارجية، في ظل تحولات غير مسبوقةتعيشها الساحة الإسرائيلية، أبرزها احتمال الذهاب إلى انتخابات مبكرة بفعل أزمةتجنيد الحريديم، والتوترات داخل الائتلاف الحاكم، ومشروع قانون حل الكنيست الذيتقدمت به المعارضة.

كما أوضح أن الحكومة لم تتمكن حتى الآن من إنتاج صيغة مستقرة لمسألة إعفاءالحريديم من التجنيد، في وقت تتصاعد فيه الضغوط العسكرية الناتجة عن استمرارالحرب منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، الأمر الذي دفع المؤسسة العسكريةالاسرائيلية للمطالبة بتمديد الخدمة الإلزامية لتعويض النقص الحاد في القوىالبشرية. وكشف (شلحت) عن تحذير لافت لقائد الجيش الإسرائيلي الحالي إيال زمير،قال فيه إن “تشكيلات الاحتياط باتت على شفا الانهيار”.

وأشار المحاضر إلى أن الجيش الإسرائيلي، الذي اعتاد تاريخياً على الحروب القصيرة،بات يخوض حروباً ممتدة ومتعددة الجبهات تشمل قطاع غزة ولبنان وإيران والضفةالغربية، مؤكداً أن المشهد السياسي الإسرائيلي يعيش انقساماً غير تقليدي، لا يقوم علىاختلاف البرامج السياسية بقدر ما يتمحور حول الموقف من شخص نتنياهو ذاته: تأييداًأو رفضاً.

وفي تفكيكه للخريطة الحزبية الإسرائيلية، أوضح (شلحت) أن المشهد يتوزع بينمعسكر نتنياهو ومعسكر خصومه، فيما تبقى الأحزاب العربية عاملاً مرجحاً حسابياً مندون أن تتحول إلى شريك حاكم فعلي داخل البنية السياسية الإسرائيلية الراهنة. وأكدأن أي حكومة مقبلة، حتى في حال غياب نتنياهو شخصياً، ستظل محكومة بسقفأيديولوجي يميني واسع ومتطرف، في ظل تراجع ما كان يسمى «اليسار الصهيوني» وانحسار تأثيره السياسي والتنظيمي.

وفي قراءته لشخصية نتنياهو، رسم شلحت صورة لأزمة متعددة المستويات: أزمةقضائية مرتبطة بمحاكمات الفساد، وأزمة سياسية ناجمة عن الشرخ الداخلي الذيأحدثته خطة «الإصلاح القضائي»، وأزمة استراتيجية مرتبطة بفشل آلة  الحربالصهيونية في تحقيق أهدافها المعلنة في قطاع غزة ولبنان وإيران.

وكشف المحاضر، في سياق حديثه، عن واقعة نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية، مفادها أنرئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت قدم لنتنياهو استراتيجية مستوحاة من خطاب بارإيلان عام 2009، إلا أن نتنياهو طلب ــ بحسب الرواية ــ «جمع كل الوثائق التي تتحدثعن حل الدولتين وإبادتها»، معلناً أنه لا يؤمن أصلاً بقيام دولة فلسطينية.

وأضاف شلحت أن ما يسمى بـ«إسرائيل الجديدة» بعد السابع من أكتوبر ليس قطيعةمع الماضي، بل إعادة إنتاج أكثر كثافة وصراحة لمنطق القوة ذاته، مؤكداً أن «إسرائيلبعد 7 أكتوبر تبدو في ثوب جديد، لكن هذا الثوب  له أصول في الثوب القديم». وأشارفي هذا السياق إلى خلاصات تقارير بحثية إسرائيلية وفلسطينية، بينها تقرير مركز«مدار» وورقة صادرة عن معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب، خلصت إلىأن استراتيجية «فائض القوة» التي انتهجتها حكومة نتنياهو قادت إلى مأزق بنيوييتجلى في العجز عن الحسم، وتآكل الشرعية الدولية، وتراجع التأييد الشعبي لإسرائيلداخل الولايات المتحدة، خصوصاً بين فئات الشباب. ثم استحضر شلحت في هذاالسياق قول الكاتب الإسرائيلي الساخر كوبينين: “أنتم تقولون هذه إسرائيل الجديدة،لكنها الصهيونية قلباً وقالباً”.

وفي ختام مداخلته، أكد شلحت أن الانتخابات المقبلة، حتى لو أطاحت بنتنياهو، لنتنتج تحولاً جذرياً في بنية النظام السياسي الإسرائيلي، بل ستعيد إنتاج الأزمة نفسهابصيغ مختلفة.

بعدئذٍ، جرى فتح باب الحوار أمام الحضور الذين طرحوا مداخلات وأسئلة عديدةتناولت احتمالات انهيار الجيش الإسرائيلي، وتأثير المقاطعة الدولية، وسيناريو رفضنتنياهو لنتائج الانتخابات إذا خسرها. وفي هذا الحوار الطويل، تولى الاستاذ الامحاضرالاجابة عن الاسئلة المتنوعة كما قدم تعليقاته على المداخلات.

واختتم الأستاذ عبد الرحمن اللقاء بتوجيه الشكر للأستاذ أنطوان شلحت على مداخلتهالعميقة والغنية، مشيداً بقدرته على تفكيك البنى الخفية للمشهد الإسرائيلي بعيداً منالسرديات الجاهزة، فيما غادر الحضور القاعة وقد حمل بعضهم أسئلة أكثر منالإجابات، في مشهد بدا أقرب إلى وظيفة المنتدى الأساسية: إثارة التفكير لا تقديماليقين.

قد يعجبك ايضا