السردية الأردنية والفحيص: النادي والمهرجان

18

 

حازم عكروش

برز مصطلح “السردية الأردنية” بقوة خلال السنوات الأخيرة، ليصبح أحد أكثر المفاهيمحضورًا في النقاشات السياسية والثقافية والإعلامية في الأردن، رغم أن جوهره أقدمبكثير من المصطلح نفسه. فهو يشير إلى الطريقة التي يروي بها الأردنيون تاريخدولتهم، وهويتهم الوطنية، ومسار تطورهم السياسي والاجتماعي. لكن الإشكالالحقيقي لا يتعلق بوجود هذه السردية، بل بمن يكتبها، ولصالح من تُكتب، وما الذيتتضمنه أو تستثنيه.

يرى المؤيدون لفكرة السردية الأردنية أنها ضرورة وطنية لحفظ الذاكرة الجماعية،وتوثيق تاريخ الدولة الأردنية، وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة في مواجهة محاولاتاختزال الأردن في أدوار سياسية أو روايات أحادية. وفي المقابل، يحذر آخرون منتحولها إلى رواية رسمية مغلقة تُقصي روايات وتجارب وطنية متعددة، بما فيها التياراتالسياسية، والحركات الاجتماعية، وتجارب المعارضة، ودور النقابات والأحزاب، وهو مايجعل السردية الوطنية الحقيقية أكثر اتساعًا من أي رواية واحدة.

وسط هذا الجدل، تبرز تجربة مدينة الفحيص، عبر نادي شباب الفحيص ومهرجانالفحيص الثقافي، بوصفها نموذجًا مبكرًا في بناء سردية وطنية تقوم على التعددوالانفتاح. فمنذ عقود، لم يقتصر دور النادي والمهرجان على النشاط الثقافي التقليدي،بل قدّما قراءة وطنية وثقافية واسعة للتاريخ الأردني، والمدينة الأردنية والعربية، كماناقشا قضايا البيئة وسبل الحفاظ عليها، بعيدًا عن الانغلاق أو الانتقائية.

وسعى المهرجان، عبر ندواته الفكرية والثقافية، إلى إبراز الشخصيات الوطنية الأردنيةمن الرجال والنساء الذين أسهموا في بناء الدولة الأردنية وتطورها السياسيوالاجتماعي، ومواقفهم من القضايا القومية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. كمااستعرض محطات مفصلية في تاريخ الحركة الوطنية الأردنية، وأدوار شخصيات وطنيةبارزة، مثل الشيخ ماجد العدوان، وحسين باشا الطراونة، أول رئيس للمؤتمر الوطنيالأردني، ووصفي التل، إضافة إلى تجارب التيارات القومية واليسارية، وفي مقدمتهاتجربة الدكتور عبد الرحمن شقير وقيادته للجبهة الوطنية في خمسينيات القرنالماضي، إلى جانب استعراض مواقف الأحزاب الوطنية ودورها في الحياة السياسية.

ولم يتردد المهرجان في تناول محطات سياسية حساسة في تاريخ الدولة الأردنية، منبينها تجربة حكومة سليمان النابلسي، التي ينظر إليها كثيرون بوصفها أول حكومةوطنية ديمقراطية ذات برنامج سياسي واضح، وما أعقب إنهاء تجربتها من فرضالأحكام العرفية، الأمر الذي أدخل البلاد في مرحلة طويلة من الأزمات السياسية وتقييدالحياة الحزبية والعامة.

كما ناقش المهرجان، عبر برامجه وندواته، قضايا التعددية السياسية، وأدوار الحكوماتالمتعاقبة في إلغاء أو تهميش الطرف الآخر والرأي المخالف، انطلاقًا من قناعة راسخةبأن بناء الدولة الحديثة والديمقراطية لا يكتمل إلا بالاعتراف بالتنوع السياسي والفكريواحترام الاختلاف، وأن قوة الدولة تتعزز باتساع مساحة المشاركة والحوار، لا بتضييقها.

وفي السياق ذاته، أولى مهرجان الفحيص اهتمامًا خاصًا بقضايا المرأة الأردنية ودورهافي الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، مسلطًا الضوء على إسهامات النساءالأردنيات في مختلف الميادين، ومؤكدًا أن السردية الوطنية الحقيقية لا يمكن أن تكتملمن دون حضور المرأة كشريك أساسي في بناء المجتمع والدولة.

وبهذا المعنى، لم يكن دور نادي شباب الفحيص ومهرجانه مجرد توثيق ثقافي أو تنظيمفعاليات فكرية، بل كان مساهمة مبكرة في تقديم قراءة أوسع للتاريخ الأردني، تقومعلى الحوار لا الإقصاء، وعلى التعدد لا الاختزال، وتسعى إلى إعطاء مختلف المكوناتالوطنية حقها في الذاكرة الوطنية، بما يعكس تنوع التجربة الأردنية وثراءها.

ورغم هذا السبق، لم تحظ هذه التجربة بالاهتمام الذي تستحقه إلا في مرحلة لاحقة،عندما أصبح مفهوم “السردية الأردنية” محورًا للنقاش العام، وبدأت الدعوات تتزايدنحو كتابة رواية وطنية أكثر شمولًا واستيعابًا لمختلف التجارب والتيارات التي أسهمتفي بناء الدولة والمجتمع.

ومن هنا يمكن القول إن نادي شباب الفحيص ومهرجان الفحيص قدّما، منذ عشرات السنين، نموذجًا عمليًا لسردية وطنية متوازنة، تقوم على الاعتراف بمختلف المكونات السياسية والاجتماعية والثقافية، وتجعل من الذاكرة الوطنية مساحة مشتركة تتسع الجميع ، لا رواية مغلقة يحتكرها طرف واحد. وربما لهذا السبب تبدو تجربة الفحيصاليوم أكثر راهنية، لأنها سبقت النقاش الدائر حول السردية الأردنية، وقدمت تطبيقًاعمليًا لها قبل أن يتحول المصطلح نفسه إلى عنوان متداول في الخطاب السياسيوالثقافي.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن ترسيخ سردية وطنية أردنية جامعة تستوعب مختلفالتجارب والروايات دون إقصاء، وتحول التنوع إلى مصدر قوة في بناء الهوية الوطنية؟لعل تجربة نادي شباب الفحيص ومهرجان الفحيص تقدم واحدة من أهم الإجابات

Screenshot

 على هذا السؤال.

قد يعجبك ايضا