مآسٍ تتكرر… وأسئلة بلا إجابة
تم
رغد البطيخي
أب يتجرد من إنسانيته ويقتل أطفاله، وامرأة تلقي أبناءها في النهر، ورجل يشوّه وجهطليقته، وطالبة تُنهي حياتها بالقفز من جسر، وطفل يقلّد محتوى على الإنترنت فيؤذينفسه، وشقيق يقتل شقيقه. حوادث متكررة باتت تتصدر الأخبار وكأنها مشاهد منفيلم قاسٍ لا ينتهي.
نستيقظ كل يوم على قصص صادمة، ومع كل خبر جديد يعود السؤال نفسه: منالمسؤول؟ هل هو المجتمع؟ أم التربية؟ أم الظروف المعيشية؟ أم غياب الوازعالديني؟ أم الاضطرابات النفسية غير المشخّصة؟ أم تعاطي المخدرات؟ أم تراكماتداخلية منذ الطفولة؟ أم تأثير الانفتاح الرقمي دون وعي كافٍ؟
الحقيقة أن هذه الظواهر لا يمكن اختزالها في سبب واحد. فالدراسات النفسية الحديثةتؤكد أن السلوكيات العنيفة أو الانتحارية غالبًا ما تكون نتيجة تفاعل معقد بين عواملنفسية واجتماعية وبيئية تتراكم مع الوقت حتى تصل إلى لحظة الانفجار.
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 90% من حالات الانتحار عالميًا ترتبطباضطرابات نفسية غير مُشخّصة أو غير مُعالجة، مثل الاكتئاب واضطرابات القلق. كماتوضح أبحاث علم النفس الإكلينيكي أن العنف الشديد غالبًا ما يرتبط بتاريخ منالصدمات النفسية أو الإهمال الأسري أو تعاطي المواد المخدرة.
ومن الناحية الاجتماعية، تشير دراسات متعددة إلى أن الضغوط الاقتصادية، وتفككالروابط الأسرية، وضعف الدعم الاجتماعي، عوامل تزيد من هشاشة الفرد أمامالأزمات، لكنها لا تصنع السلوك العنيف وحدها، بل تخلق بيئة قد تسهّل الانهيار عندغياب التدخل والدعم.
وفي المقابل، يلفت مختصون إلى أن التركيز على التعليم والتحصيل الأكاديمي فقط،دون الاهتمام بالصحة النفسية والمهارات العاطفية، قد يترك فجوات غير مرئية فيشخصية الإنسان، تظهر آثارها عند مواجهة الضغوط الحياتية.
وتبقى الأسئلة مطروحة بإلحاح: هل أصبح من الضروري تعزيز دور الإرشاد النفسي فيالمدارس والجامعات والمؤسسات؟ وهل يمكن أن يساهم الوعي النفسي المبكر فيتقليل هذه الحالات؟ وهل يساعد الدعم الأسري والاجتماعي في الوقاية قبل الوصولإلى لحظات الانهيار؟
في النهاية، تبقى هذه المآسي أكثر من مجرد أخبار عابرة أو حوادث منفصلة. هيإشارات متكررة إلى خلل أعمق يتجاوز الفرد ليشمل الأسرة والمجتمع والمؤسسات. وبين محاولة الفهم والبحث عن الأسباب، يظل السؤال الأهم: كيف يمكننا أن نمنعتكرارها قبل أن نصبح مجرد متابعين لها بعد وقوعها؟