غزة وعقيدة “الإحلال” الصهيونية
نادية سعد الدين
لا شك أن مواجهة محاولات الاحتلال المتواترة لفرض الأمر الواقع في غزة والضفة الغربية وتثبيته لاحقاً، يتطلب أكثر من مواقف دولية تضامنية لأجل دحض مساعي تصوير «التهجير» كحدث عارض، وإبرازه كعملية صهيونية مستمرة لم تكتمل فصولها بعدْ، مما يفتح دوماً باباً للمقاومة والتحرك السياسي المضاد.
فدعوة المتطرف «سموتريتش» بإعادة احتلال غزة لا تأتي من فراغ، بل تعكس إجماعاًصهيونياً قديماً داخل تياراته اليمينية واليسارية والدينية حول الاستيطان، وتُجسم خطرالتهجير الذي ما يزال قائماً، مثلما تكشف الأطماع التوسعية الممتدة من الضفة الغربيةحتى قطاع غزة، في تجسيد قاتم لأشد مشاهد عقيدة «الإحلال» الصهيونية غلواً.
ولا تنفصل تلك الدعوة المتطرفة عن سياسات التهجير القسري والناعم الصهيونيةللفلسطينيين التي تصاعدت أطر تنفيذها بوتيرة أكثر عنفاً ومنهجية منذ بدء حربالإبادة الصهيونية ضد قطاع غزة، في أكتوبر 2023، مما يُفسر وحشية الاحتلال وتعمدهتدمير مقومات الحياة في القطاع لتنفيذ مخطط تهجير سكانه وإنهاء المقاومة، وربماإعادة استيطانه كحال ما قبل عام 2005، ضمن أهداف إستراتيجية تصطدم بالصمودالفلسطيني الأسطوري وصلابة المقاومة، رغم الدمار وإراقة الدماء.
ولعل الساسة الصهاينة يتصورون أن تنفيذ مخططهم الاستعماري الإحلالي في غزةيمُهد لهم الطريق أمام تكرار مشهد التهجير في الضفة الغربية، بوصفها الظهيرالإستراتيجي لكيانهم المُحتل، نحو الأردن، عبر ممارسات الطرد وهدم المنازل ومصادرةالأراضي والتضييق المعيشي و»شرعنة» الضم وإطلاق يد المستوطنين عنفاً وخراباً،لاستهداف الوجود الفلسطيني وتثبيت وقائع ميدانية مُغايرة ومنع إقامة كيان فلسطينيمتصل، سبيلاً لتصفية القضية الفلسطينية، في ظل غياب المساءلة الدولية حيالجريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، وفق القانون الدولي.
ففي منظور الكيان الصهيوني؛ هناك ربطٌ تكامليٌ بين سياساته الاستعمارية العدوانيةفي الضفة الغربية وأهدافه الإستراتيجية في قطاع غزة، ضمن مخطط يهدف إلى تفريغالأرض من سكانها الأصليين عبر التهجير، الذي يُعد ركيزة بنيوية أساسية للمشروعالاستعماري الاستيطاني الإحلالي الصهيوني في فلسطين المحتلة منذ ما قبل عام1948؛ بوصفه أداة مُنظمة و»بنية» استعمارية مستمرة لإعادة هندسة الحيزالجغرافي والديموغرافي الفلسطيني بأدوات عسكرية وقانونية وإدارية واقتصاديةمُمنهجة تخدم أهداف احتلال الأرض واستيطانها وتفريغها من سكانها الأصليين،تمهيداً لفصم علاقة الفلسطيني بأرضه و»محو» وجوده وذاكرته المكانية وهويتهالوطنية، وفق الرؤية الصهيونية.
وتعكس سياسات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة تجسيداً حياً لتبني نظريةالاستعمار الاستيطاني (Settler Colonialism) التي تقدم تفسيراً لبنية الكيانات المُحتلةالتي تأسست منذ بناء الهجرة والإحلال وإقصاء السكان الأصليين، وفق منظريها الأشهر«باتريك وولف» و»لورنز فيراسيني»، فترتكز على: «منطق المحو» (Logic of Elimination) عبر «المحو المادي» بالحروب والمجازر والتهجير القسري، و»المحوالقانوني والسياسي» بإلغاء الحقوق السيادية للسكان الأصليين، و»المحو الثقافي» منخلال طمس معالم الهوية الأصلية وتدمير الآثار وتغيير أسماء المدن والجغرافيالصناعة هوية بديلة، مع نفي صفة «الاستعمار» عن نفسه عبر تحويل وجودالمستوطنين إلى وجود «طبيعي» وأصيل مقابل تحويل السكان الأصليين إلى «غرباء» أو «بؤر» تهديد أمني، من خلال تسويق سردية زائفة واعتماد أساطير بالية.
وبأدوات مُنظمة؛ يُنفذ الكيان المحتل مخطط «الإحلال» عبر «الضم» التدريجي ومدالاستيطان من المنطقة «ج» التي يسيطر على 62 % منها إلى المناطق الخاضعة«اسمياً» للسيطرة المدنية الفلسطينية، واستهداف الوجود الفلسطيني في القرىوالبلدات الفلسطينية، و»شرعنة» البؤر الاستيطانية العشوائية وتحويلها إلىمستوطنات معترف بها صهيويناً، مما يمزق التواصل الجغرافي لأي كيان فلسطينيمستقبلي، وتوظيف القانون «لشرعنة» الإستيلاء على الأرض الفلسطينية، بمصادرةآلاف الدونمات في الأغوار وأنحاء مختلفة من الضفة الغربية تحت مسمى «أراضيدولة» لصالح الاستيطان، وهدم وإخلاء المنشآت الفلسطينية بدعوى «البناء دونترخيص»، بالتزامن مع تدمير مقومات الحياة في قطاع غزة لتحويله إلى بيئة طاردةللوجود الفلسطيني.
ورغم المواقف الدولية والأممية المهمة المنددة بانتهاكات الاحتلال ومستوطنيه فيالأراضي الفلسطينية المحتلة وفرض العقوبات مؤخراً، إلا أنها ليست كافية، إزاء ائتلافيميني صهيوني متطرف لا يقيم وزناً لها ويمضي في مشروعه الاستعماري الإحلاليمُراهناً على الدعم الأميركي المطلق، بدون أن يعني ذلك بالضرورة نجاح مخططه، أمامالصمود الفلسطيني الأسطوري وصلابة المقاومة.