أين أيمن الصفدي

16

د. رشا سلامة

لم يلمع نجم وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي في خضم التوترات المرتبطةبالحرب الإيرانية الأميركية، مؤخرا، ما يبعث على الاستغراب لدى من تابع أداء الرجللسنوات، ومن عرفه عن قرب في مرحلة سابقة من الحياة المهنية؛ ذلك أنه كان يقتنصاللحظة السياسية بعبارات دقيقة ومكثفة، ويصوغ مواقفه بوضوح لا لبس فيه، لكنه بداهذه المرة أكثر ميلاً إلى الحذر، وكأن الصمت المدروس حلّ مكان التصريحات اللافتة.

 

بالنسبة لي، لا يمكن قراءة مشهد الصفدي دون استحضار صورته الأولى، حين كانرئيس تحرير جريدة الغد. يومها كنت لا أزال مستجدة في مهنة الصحافة، أحمل مواديإليه بشيء من الارتباك وكثير من الطموح، فيستقبلها بقلمه الأحمر الذي لا يرحم. كانيشطب بلا تردد، يختصر بلا مجاملة، وأحياناً يُنهي المادة قبل أن يكمل قراءتها. لم أفهمحينها أن ما كان يفعله لم يكن قسوة، بل تدريباً صارماً على جوهر الكتابة: أن تقول أقللتعني أكثر، وأن كل كلمة لا ضرورة لها هي عبء على النص.

هذه الصرامة المهنية هي ذاتها التي صنعت لاحقاً حضور الصفدي السياسي؛ ذلك أنهلم يغادر الصحافة حين دخل الدبلوماسية، بل حملها معه إلى المنابر الدولية. لذا، بقيخطابه مشدوداً إلى الوضوح، محكوماً بالاقتصاد اللغوي، ومبنياً على فكرة مركزية لاتضيع بين الزخرفة. كان يعرف كيف يضع الجملة التي تلتقطها وسائل الإعلام، وكيفيزرع في حديثه كلمات مفتاحية قابلة للتداول، وهي مهارة لا تُكتسب في السياسة بقدرما تُصقل في غرف التحرير.

ولعل هذا ما كنت أحاول نقله لطلبتي في الجامعة لاحقاً، حين كنت أكلفهم بتحليلخطاباته، بالعربية والإنجليزية على السواء، والبحث عن تلك المفاتيح الصغيرة التيتصنع الأثر الكبير. وكنت، في كل مرة، أقولها بكثير من الفخر الشخصي: أيمن الصفديهو من دربني، حين كنت في الرابعة والعشرين من عمري.

لمع اسم الصفدي في دفاعه المتمكن عن القضية الفلسطينية، حيث كان خطابه يجمعبين الصلابة السياسية والدقة القانونية، وكان يقدم الرواية الأردنية بلغة يفهمها العالم. وفي أروقة الأمم المتحدة، وفي المؤتمرات الدولية، كان حضوره هادئاً وواثقاً، مباشراًدون انفعال، وقادراً على تحويل الموقف إلى رسالة مكتملة العناصر لغويا وإعلاميا،وحتى في أكثر اللحظات توتراً في الإقليم، كان يميل إلى خطاب يوازن بين المبدأوالواقعية، دون أن يفقد وضوحه.

قد يكون السياق نفسه تغيّر هذه المرة؛ فالحروب الكبرى لا تترك دائماً مساحةللخطابات الرنانة، بل تفرض إيقاعاً ثقيلاً تتقدم فيه الحسابات الدقيقة على البلاغة،ويصبح الصمت أحياناً جزءاً من الموقف. وربما لهذا تحديداً بدا حضوره أقل بريقاً، لالأنه تراجع، بل لأنه اختار أن لا يبالغ في الظهور حين تكون الكلفة السياسية للكلمة أعلىمن أي وقت مضى.

يبقى الصفدي في ذاكرتي ذلك المحرر الذي كان يؤمن أن حذف جملة قد يكون أبلغ منكتابتها. وربما، في هذا الصمت النسبي اليوم، ما يشبه درسه لي في الأمس.الغد

قد يعجبك ايضا