من ضغط على مسدس “البراوننغ” أمام “شيراتون القاهرة”!
علي سعادة
عندما قتل وجد في جيبه الأيمن مسدس من نوع “سميث أند واسن” مفرغ منالرصاص لم يستخدمه، ووجد أيضا نحو 60 جنيه مصريا، وورقة تشرح أن هذا المبلغ“مياومات” له، إضافة إلى غليون وعلبة تبغ.
ووجدت في جيوبه ورقة بيضاء فيها أسماء لأشخاص إلى جانب كل اسم مبلغ مالي،وكان أكبر مبلغ في القائمة هو 11 دينارا، تبين لاحقا أنها قائمة ديون، وأنه كان مديونالبعض المزارعين الذين أحضروا سمادا لمزرعته في المفرق، وكان يرسل لهم إعانة منراتبه الشهري، بحسب مصادر متعددة.
قبل 3 أعوام تقريبا تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو، حول النطقبالحكم على قتلة الشهيد وصفي التل، بدت الجلسة كما لو كانت حفل استقبال معدبعناية، المتهمون يرتدون بدلات وربطات عنق وكانوا في غاية الأناقة.
الجميع في القاعة كانوا يتبادلون الابتسامات والضحكات، كأنهم يعرفون الحكم مسبقا،ولم يتبق سوى الاحتفال ب”البراءة” المتوجة بضغط وتهديد من الرئيس الليبي معمرالقذافي، ومن الرئيس المصري محمد أنور السادات شخصيا.
وسيتبادل المتهمون، بعد صدور الحكم ب”البراءة”، التهاني مع هيئة الدفاع التيجاءت من ثلاث دول عربية، ومع أناس غير معروفين حضروا الجلسة، واستندتالمحكمة في قرار “البراءة” بأن الرصاصة “القاتلة” لم تنطلق من الأسلحة التي ضبطتمع المتهمين، وهو ما استفز السادات قبلها بيوم حين قراء في صحيفة “الأهرام” حولهذا الأمر فطلب بوقف المحاكمة بتدخل شخصي من القذافي.
وسيطلق سراح المتهمين الأربعة فورا، ليمكثوا في القاهرة عدة أشهر، إلى أن اختفوا منالمشهد بشكل كامل، بعد أن وضعوا في طائرة توجهت إلى دمشق .
وسط روايات تقول بأنه تمت تصفيتهم على مراحل، من قبل الأجهزة الأمنية الأردنية،وعلى يد صبري البنا (أبو نضال)، وفي الحرب الأهلية اللبنانية، فيما تقول روايات أنأحدهم على الأقل لا يزال على قيد الحياة، وتقول روايات أن المخطط الأول لها والمتهمالأول والعقل المدبر للعملية وقائد المجموعة توفي في عام 1991، فيما قتل في بيروتعام 1982 أحد المنفذين الذي وجه رصاص مسدسه من نوع “براونينغ” إلى التل.
معظم ما كتب عن وصفي التل أردنيا وعربيا، لم يخرج عن إطار العواطف واللغةالخطابية، أو الثرثرة ضمن سياقات مختلفة، مع أو ضد، والتي تبدو لغة مقبولة لحظةالحدث، لكنها بعد نحو 47 عاما تحتاج إلى مخزون من المعلومات والوثائق والشهاداتحتى نؤسس لقضية وشهادة متكاملة للتاريخ دون شتائم ولعنات وبكاء ووعود بالثأر،وكلام ليل يمحوه كلام النهار.
وصفي التل، لمحبيه ولخصومه، كان شخصية استثنائية، جدلية، أردنيا وفلسطينياوعربيا، هذه الاستثنائية ربما ظلمت الرجل، وكانت سببا في موته الغامض، وفي تفرقدمه بين القبائل (الدول) وفي تعدد الروايات وغموض بعضها أحيانا.
باستثناء أحداث أيلول عام 1970 وهي فترة غير موثقة وحمالة أوجه، وكل ما يروى عنهاعبر شهود عيان بعضهم يتحدث بناء على ما سمعه ولم يشاهده.
لا يوجد أي مصدر موثوق، أردنيا أو فلسطينيا، يؤكد أن الرجل كان عنصريا ضيق الأفق،أو بأنه كان أسير الوطنية والقطرية على حساب قضايا الأمة، كان رجلا مسكونا، مثل أبناءوبنات جيله، بالهموم العربية إلى حد تعرضه للموت في معارك “جيش الإنقاذ “ ضدتهويد فلسطين، كان حلمه، كما كان يقول دائما للمقربين منه، أن يموت وهو يقاتل.
شخصية كاريزميا لم يشهد الأردن لها مثيل، لا يزال حاضرا في الذاكرة والمخيلة،سياسي ورجل دولة واقعي وعقلاني، رئيس وزراء دستوري، بمعنى إصراره على ممارسةدوره كرئيس وزراء بصلاحيات كاملة كما هو في الدستور، تتبع له كل الأجهزة التنفيذيةفي الدولة.
شخصية جدلية، مباشر، يفكر بصوت عال، لا يجامل في قناعاته الوطنية والقومية،الأمور عنده دائما صواب أو خطأ، وأحيانا الخطأ قد يتقرب من الخيانة الوطنية، وفقالبعض الأقوال المنسوبة له.
ليس ثمة منطقة محايدة، أو رمادية بين الحقيقة والوهم، بين الوطنية والخيانة، جراءتهفي طرح أفكاره، وكرهه للفساد، لفتت إليه أنظار الملك الحسين بن طلال في مرحلةمبكرة من حياته السياسية.
من المؤكد أن وصفي التل ولد في بغداد عام 1921، رغم أن بعض الدراسات تقول بأنهولد عام 1919، والده شاعر الأردن الأول، مصطفى وهبي التل (عرار) شغل عدة مناصبفي الدولة، كان أخرها متصرفا للواء البلقاء (السلط)، ومكث في منصبه هذا أقل منأربعة أشهر إذ عُزل، واقتيد إلى سجن المحطة في عمان حيث قضى نحو سبعين يوما،بعد أن تصاعد الخلاف بينه وبين رئيس الوزراء آنذاك، أم والدة وصفي فهي سيدة كرديةعراقية.
التحق وصفي التل ب”الجامعة الأميركية” ببيروت وحصل منها على البكالوريوس فيالعلوم عام 1941، بعد تخرجه عمل مدرسا للكيمياء والفيزياء، لكن تركيبته لم تكنتتوافق مع التدريس فاستقال بعد نحو عام ليلتحق بالكلية العسكرية البريطانية قربمدينة يافا عام 1942 وتخرج منها برتبة ملازم، وامضي نحو ثلاث سنوات في الجيشأثناء الحرب العالمية الثانية رقي خلالها إلى رتبة نقيب.
إحدى المفاصل التي قلبت مزاج التل بشكل كامل كان اتساع دائرة المؤامرة علىفلسطين، فالتحق دون تردد ب”المكتب العربي” بالقدس، وهو المكتب الذي أسسهموسى العلمي ممثل فلسطين في المؤتمر التأسيسي لجامعة الدول العربية، وكانالهدف من تأسيسه التأثير على الرأي العام وكسبه إلى جانب العرب بخصوصفلسطين.
وتفرغ وصفي ل”مكتب القدس” ثم لاحقا ل”مكتب لندن”، ومن خلال موقعه وضعالتل تقريرا حول مخاطر الصهيونية واقترح تشكيل قوة عسكرية فلسطينية تعمل علىمقاومة اليهود.
بدأت أفكاره بالنضوج في تلك المرحلة، واخذ يلفت إليه الأنظار، لكنه لم يتمكن منطرح أفكاره بوضوح أكثر، فالأحداث داهمت المنطقة العربية على اثر صدور قرارالتقسيم، وتشكيل لجنة عسكرية عربية اتخذت من دمشق مقرا لها وأخذت تدعوالشباب العربي للتطوع في “جيش الإنقاذ”، وكان التل من المتطوعين فاستقال من “المكتب العربي”، فكلفته القيادة برئاسة اللواء الرابع (اليرموك) وخاض مع قواته معركةكبيرة عرفت ب”الشجرة” وأصيب بشظية في ساقه.
وعندما أعلنت “الهدنة العربية الإسرائيلية” رفضها التل والتحق بالجيش السوري ضمنقوات “اليرموك”.
وحين قرر وصفي نقل قواته إلى فلسطين لمقاومة الصهيونية، وعلم الرئيس السوريحسني الزعيم بنوايا التل قرر نقله إلى الجولان وقام باعتقاله في سجن المزه، ثم أطلقسراحه وعاد إلى عمان.
نكبة فلسطين كانت حافزا له على وضع كتاب “دور الخلق والعقل” أكد فيه أن أسبابالهزيمة تعود إلى “ الغوغائية والمتاجرة بعواطف الجماهير وجراحها والخوف منمصارحة الشعوب”.
هذا الكتاب سيكون مدخلا لإصدار صحيفة “ الهدف” عام 1950، وصدرت تحت شعار”مجلة السياسة القومية والأدب القومي”، وجميع الذين شاركوا في إصدارها كانوا منالفلسطينيين.
واصل التل نشاطه الصحافي من خلال صحيفة “ الرأي” التي أصدرتها “حركة القوميينالعرب” عام 1953 وترأس تحريرها “حكيم الثورة الفلسطينية” الدكتور جورج حبشالذي سيؤسس فيما بعد “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” التي استندت إلى“الاشتراكية العلمية” والتي ستكون فيما بعد أحد أطراف النزاع الرئيسية في الساحةالأردنية.
اختلف التل مع “حركة القوميين العرب” بعد تبنيها للفكر الناصري واتخاذها خطامعاديا للغرب وتعاونها مع الاتحاد السوفيتي، خلافه هذا أعاده إلى العمل الحكوميمديرا للمطبوعات عام 1955، نقل بعدها إلى الخارجية مستشارا في السفارة الأردنيةببون، ثم لاحقا رئيسا للتشريفات الملكية، وقائما بأعمال السفارة الأردنية بطهران .
تنقل بعدها في المواقع الرسمية مديرا للإذاعة ومديرا للتوجيه الوطني، وتولى إدارةالحرب الإعلامية الأردنية في مواجهة الهجمة الإعلامية الناصرية القادمة من “صوتالعرب” بالقاهرة .
حين كلف بحكومته الأولى عام 1963 كان سفيرا في بغداد، وكان أكثر من نصفأعضائها من الفلسطينيين، وكانت حكومة استثنائية في تاريخ الأردن إذا لم يسبق لأيمن أعضائها أن كان وزيرا بما في ذلك الرئيس.
وأجرت الحكومة مصالحة وطنية كبرى بين المعارضة والحكم، وأصدرت عفوا عاما عنالمعتقلين المحكومين والمنفيين السياسيين، مما أوجد أجواء ايجابية سمحت بإجراءانتخابات نيابية جديدة.
وفي حكومته الثانية عام 1965 أكمل التل إغلاق ملف المصالحة الوطنية بإصدار عفوعام عاد على ضوئه عدد من اللاجئين السياسيين إلى الأردن.
وبعد أن نفض التل يديه من ملف المعارضة الذي كان عالقا لسنوات، تفرغ لبحثالعلاقة بين الحكومة و”منظمة التحرير الفلسطينية” على قاعدة واحدة تقول :”سيادةالأردن على أرضه وسكانه”.
وأعلن التل أمام مجلس الأمة عن تعاون حكومته مع “منظمة التحرير” وتشكيلتنظيمات شعبية مدربة عسكريا وتسليح القرى الحدودية، وعين نجيب ارشيدات عضوافي منظمة التحرير الفلسطينية واللواء على الحياري مديرا للدائرة العسكرية في“المنظمة” .
الخلاف الأول بين الحكومة و”منظمة التحرير” نشأ بعد إصرار “المنظمة” على أن تتولىالنشاطات ذات الطابع العسكري والشعبي في الأردن، وأن يتم تجنيد الفلسطينيين فيجيش التحرير الفلسطيني.
بالطبع رفضت الحكومة هذه المطالب وأصرت على التمسك بمقولة “سيادة الأردنعلى أرضه وشعبه”.
ونشأ وتعمق جزء كبير من هذه الخلافات بسبب التحريض الإعلامي العربي القادم منالقاهرة وبغداد ودمشق ضد الحكومة الأردنية، وضد وصفي التل شخصيا.
وتفاقم الخلاف بعد الهجوم الصهيوني على قرية السموع في الضفة الغربية، وحملتالمعارضة الحكومة مسؤولية التقصير في الدفاع عن القرى الحدودية، واحتراما لرغبةالبرلمان استقالت الحكومة عام 1966.
غير أن الأجواء لم تختلف كثير بعد تشكيل التل لحكومته الرابعة مباشرة، فقد انضمتمصر وسوريا و”منظمة التحرير” إلى معسكر شن حملة إعلامية مكثفة ضد الحكومةورئيسها على وجه التحديد، فقامت الحكومة بحل البرلمان وإجراء انتخابات نيابيةجديدة، ومع بدء توترات حرب حزيران / يونيو في عام 1967 استقال التل وعين رئيساللديوان الملكي.
لم يخف التل مخاوفه من دخول الأمة العربية للحرب، وخصوصا الأردن، في ظل الوضعالعربي الملبد بالغيوم آنذاك، وأعلن صراحة أن نتيجة الحرب ستعني ضياع الضفةالغربية والقدس، غير أن الأردن وجد نفسه “مرغما” على دخول الحرب حفاظا على“حالة التضامن العربي” الوليدة آنذاك، وكتب عدد من الباحثين بأن تلك الفترة كانتالأكثر توترا وعصبية في حياة التل الذي كان يرى ظلال الهزيمة تغطي الفضاء العربي.
كارثية الهزيمة دفعت التل إلى طرح فكرة إنشاء قوات وطنية وإعادة تنظيم الجيشالأردني ودمج النشاط الفدائي في المجهود العسكري العام، والتركيز على حربعصابات حقيقة تؤلم “إسرائيل” وتضعفها وتجبرها على التوسع في القتال، مع رفضأية تسوية سياسية تعترف بسيادتها على أي جزء من فلسطين، وتصادف أن تناغمتهذه الأطروحات من أطروحات الفدائيين وخططهم.
في تلك الأثناء كانت العلاقة بين “منظمة التحرير” والحكومة الأردنية قد وصلت إلىمرحلة مقلقة وخطرة جدا، ويعترف القيادي في “حركة فتح” الراحل صلاح خلف (أبوإياد) في كتابه “فلسطيني بلا هوية” بأن تجاوزات بعض الفدائيين ساهمت في الوصولإلى المواجهة “الحتمية”.
اتسعت في عام 1970 الهوة بين الحكم و”المنظمة” بعد تبني الحكومة للحل السياسيللقضية الفلسطينية ورفض “المنظمة” لهذه الحلول، ووقع الصدام المسلح الذيانتهي بتوقيع اتفاقية القاهرة بين الحكومة الأردنية والفدائيين.
طيلة السنوات التي أعقبت حرب حزيران والصدام المسلح كان التل بعيدا جدا عنالمنصب الرسمي، وقريبا جدا من المشهد الداخلي الأردني.
احتاج الأردن، في مرحلة التأرجح بين بقاء الدولة أو سقوطها، بين “سلطة الدولة”و”سلطة المقاومة” إلى رجل قوي لا يجامل ولا يخضع الأمور لعاطفته ولمزاجه، رجلتربطه بالقضية الفلسطينية علاقة خاصة وتاريخية، فكلف التل بتشكيل الحكومة فيتشرين الأول/ أكتوبر في عام 1970 أي بعد انتهاء المواجهات المسلحة.
كلف التل بإعادة “النظام والهدوء والقانون إلى البلاد”، وأعلن عن استعداد حكومتهالتعاون مع “الفدائيين المنضبطين” لا أولئك “اليساريين الساعين لانتهاك النظاموالدين ويحاولون إعاقة التفاهم بين الحكومة و”فتح”.
ووفقا لمصادر متفاوتة، كان الملك الحسين يرغب بتوجيه ضربة عسكرية محدودةتحصر النشاط العسكري للفصائل داخل المخيمات وتعيد “هيبة الدولة”، بينما كانتالمؤسسة العسكرية تنزع إلى توجيه الضربة القاضية مستغلة التفوق العسكري لديها،وكان يقود هذا الرأي المشير حابس المجالي، وصفي التل، وزيد الرفاعي، وزيد بن شاكرومدير المخابرات نذير رشيد.
ووفقا لما نشر في مذكرات بعض الذي عاصروا التل فقد كان الأردنيون من أصولفلسطينية، المنتسبين للجيش العربي والأجهزة الأمنية، الأكثر رفضا لحالة الفوضى التيشهدها الأردن في عام 1970، والأكثر قبولا لرؤية التل.
أجرى التل عملية تطهير واسعة في أجهزة الدولة الرسمية لجميع العناصر المواليةل”منظمة التحرير”، وتم فصل (250) موظفا منهم (160) من أصل أردني، و(90) منأصل فلسطيني، ولملء الفراغ السياسي أعلن عن إنشاء “الاتحاد الوطني الأردني” فيعام 1971.
في ذلك العام استضافت القاهرة اجتماعات وزراء الدفاع العرب، وأصر التل علىالمشاركة رغم معارضة الملك الحسين بوصف التل “شخص غير مرغوب به في مصر”،وخرج الملك لوداعه في المطار وهو أمر لا يحدث عادة مع رؤساء الحكومات.
وذكر مدير دائرة المخابرات وقتها نذير رشيد بأنه قام بتحذير وصفي التل بأن “النظامالناصري” يعد لاغتياله فرد عليه التل:”ما حدا بموت ناقص عمر والأعمار بيد الله”.
وحضر التل أول اجتماعات مجلس الدفاع، وفي عصر يوم 28 تشرين الثاني/ نوفمبر فيعام 1971 وعند مدخل فندق “ الشيراتون”، وبعد أن ترجل من سيارته، أطلق ثلاثةأشخاص النار عليه مما أدى إلى وفاته دون أن تسيل منه قطرة دم واحدة، بعد أنأصابه نزيف داخلي.
وكان مشهد الوزراء العرب المتواجدين في الفندق وهم يفرون أو “ينبطحون” أرضا قدأكمل مشهد الجريمة، وكانت صور مؤلمة لحالة الذعر والضعف الإنساني، وسط ذهولحراسه والوزراء العرب الذين سارعوا بالاختباء.
القي القبض على القتلة الذين كانوا يحملون جوازات سفر سورية، واتفقوا على القيامبالعملية في بيروت، وكانوا يتوقعون أن يكون قائد الجيش حابس المجالي بينالمشاركين في الوفد ولكنه لم يتمكن من الحضور.
أعلنت منظمة مجهولة أطلقت على نفسها اسم “ أيلول الأسود” مسؤوليتها عنالاغتيال، وهي منظمة ارتبط اسمها في عملية أخرى في “عملية ميونخ “ واختفت بعدذلك إلى الأبد، في تلك الفترة أيضا نجا السفير الأردني في بريطانيا زيد الرفاعي منمحاولة لاغتياله في شارع كينسنغتون وسط لندن.
وتوجهت أنظار الأمن المصري إلى أبو يوسف النجار وهو الأمر الذي فنده التحقيقوأعلنت الصحف المصرية أن المتهم الأول والعقل المدبر للعملية وقائد المجموعة هوالمتهم الفار فخري العمري.
ومنذ ذلك اليوم بقى العمري مطلوبا للنظام القضائي الأردني حتى وفاته عام 1991.
حتى أن محمد داود عودة (أبو داود) والذي وثق لبعض عمليات “أيلول الأسود” فيكتابه “من القدس إلى ميونخ” لم يأت على ذكر هذه العملية ومسؤولية “أيلول الأسود”عنها، وأقر دائما بأنه لا يعرف منفذيها.
شكك تقرير الطب الشرعي المصري، كما نشر في صحيفة “الأهرام” في عملية الاغتيالحيث أكد أن الرصاص الذي قتل التل لم ينطلق من الأسلحة المضبوطة مع المتهمين،وكان اثنان من المتهمين قد ضبطوا، قبل تنفيذ العملية، في مطار القاهرة وبحوزتهمأسلحة وأطلق سراحهما .
وأطلق سراح المتهمين دون أن توجه لهم أية تهمة، أو قرار بالإدانة، فيما ترددت رواياتمتضاربة بأن القيادي في “فتح” أبو يوسف النجار، وفي روايات أخرى القيادي في “ فتح”أبو علي حسن سلامة هو من خطط للعملية، لكن كلا الروايتين نفيت من قبل مصادرعدة، فيما لا تحسم روايات أخرى علم مصر وسوريا بالعملية قبل تنفيذها.
وأشيع فيما بعد، أن السبب وراء اغتيال التل، كان الانتقام من مقتل القيادي في “فتح”أبو علي أياد بعمان، ولا علاقة له بأحداث أيلول في عام 1970، وفقا لشهادات منشخصيات فلسطينية وأردنية مطلعة من بينها صلاح خلف (أبو أياد)، وفيما يتعلقبالجانب العربي فقد كانت لدى حكومات مصر وليبيا وسوريا أسبابها للتخلص منالرجل، فيما يقال بأن أطرافا أخرى ربما دخلت على مشهد الاغتيال اللغز والأحجية.
دفن التل في المقابر الملكية، لكن جثمانه اخرج فيما بعد وتم دفنه في منزله بناء علىرغبة سابقة للتل، حيث كان التل جالسا مع أصدقائه بالقرب من البقعة (التي دفن فيها)يبحثون الموقف، وسأل أحدهم ما الذي يمكن عمله، وقال التل: “ البقاء هنا والقتالحتى الموت، وبعد موتي أن يدفنوني هنا “ وبناء على ذلك أذن الملك لعائلته بنقلهاستجابة لأمنية راودت التل.
لم يكن أحد يملك الكاريزما في الأردن ليحل مكان التل، كان التل يتمتع بمكانة فريدةلدى الأردنيين ولدى الملك، كان صريحا ومباشرا دون مواربة مع الملك، وكان معروفاعنه كراهيته للفساد وهي فضيلة لا يتمتع بها كثيرون من الساسة في الأردن حاليا، بلأصبحت صفة ملازمة لعدد من السياسيين فيما بعد، ويقول خصومه بأن عدم اهتمامهبالجانب المادي والمالي كان يستفزهم ويثير الإعجاب في الوقت نفسه.
وعلاوة على ذلك كان يتمتع بثقة الجيش، وهي ثقة لم يحصل عليها أحد في الأردنباستثناء الملك، وكان الجيش يهتف باسمه في هتاف معروف في حالة نادرة في الأردن.
رحيل التل كان خسارة للأردن ولفلسطين، فالرجل قاتل على أرض فلسطين وواجهالصهاينة، وكان مؤمنا بالكفاح المسلح ولكن ضمن خطة ورؤية خاصة به قدمها فيكتاب، وعلى أن يكون ضمن تحركات الجيش العربي.
التل كان ضحية الخلافات العربية العربية، وضحية الحوار المستحيل في الأردن في ظلالفوضى، والمواجهة الممكنة وسط محيط عربي مضطرب .
وحده يتذكره الأردنيون بشغف وحزن دفين ومشاعر تستحضر زمن القوة ونظافة اليدورومانسية رجال الدولة والواقعية السياسية. كان سياسيا عن الفساد والمحسوبيات،فقد استشهد وعليه دين بضع دنانير، و لم يكن راتبه يكفي لسدداها كما يروي المقربونمنه.
كان رئيسا لا يخجل من أن يستدين على أن يتجاوز على المال العام الذي كان مؤتمناعليه.
سيقال الكثير حول شخصية وصفي التل، وسيتعمد كثيرون ربطه بأحداث أيلول في عام1970، حتى يفقدوه قيمته كرجل دولة صاحب رؤية في السياسة الداخلية بكافةجوانبها، وكسياسي حظي باحترام وثقة الأردنيين والجيش، وسيركز البعض على القتلةالذين كانوا وسيبقون دائما على الهامش في صفحته وتاريخه.
لم يكن التل محبا للطقوس الاجتماعية الرسمية، وهو يحب، متى ما توفر له الوقت أنيذهب بعيدا لمزرعته. طاقته، وقدراته، وعدم فساده، صفات جعلت منه واحدا منرؤساء حكومات قليلين في الأردن ممن امتلكوا تأثيرا حقيقيا على السياسة الأردنيةالمستقلة عن القصر.
حياته الشخصية بسيطة جدا ولا تفاصيل مهمة تذكر حولها غير أنه تزوج من السيدةسعدية الجابري ذات الأصول الحلبية، والتي توفيت في عام 1995 والتي لم ينجب منهاالتل أطفالا، وكانت قد أوصت بتحويل بيتها إلى متحف.
ثمة أسئلة كثيرة يعبق بها المكان في ذكرى وصفي التل، هل كان وصفي التل رجلا يغردخارج سربه في زمن الضعف العربي ، هل كان حال التل مع الفدائيين، كما ذهبالدكتور غازي ربابعة في بحث له، كحال العرب مع الدولة العثمانية ؟ فالعرب والاتراك،على حد سواء، ذهبوا ضحية تآمر دولي كان اكبر من قدرتهم، فبدأنا نلقي اللوم علىالأتراك، والأتراك يصبون اللوم علينا، والأمر نفسه حصل مع وصفي التل، ما أصابنا فيالحالتين هو سوء الفهم في بعض الأحيان، وفشل الحوار في أحيان أخرى، الأردنوالعمل الفدائي كانا ضحايا مؤامرة صهيونية مدعومة من قوى دولية، بدليل دخولأطراف عربية عديدة على ما جرى في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر في عام1971.
كان رحيل التل أشبه بصفير قطار في ليلة ممطرة مظلمة كأنها “ ظلمات في بحر لجي” ،وسيكتب الكثير عن الرجل، بعضه يحلل بهدوء وروية، وبعضه منفعل من عقاله بلاهدف أو غاية وكأنه يريد تكرار الحكاية، لكن لن يتمكن أحد من الوصول إلى الحقيقة إلابجهد وتعب وبحث مضني في الوثائق وأرشيفات الصحف التي كتبت عن تلك المرحلة.