عندما يصبح الصمت سبباً للطلاق

26

الدكتور تيسير الشواش

يعتقد كثير من الناس أن الطلاق يحدث بسبب الخيانة أو المشكلات المالية أو تدخلاتالأهل، لكن الواقع المهني يكشف أن هناك سبباً آخر قد يكون حاضراً في صمت، ونادراًما يُفصح عنه، وهو الاضطرابات الجنسية بين الزوجين.

من خلال عملي أخصائياً نفسياً ومرشداً زواجياً في مركز المراد، ومن خلال خبرتي فيالعمل مع الأزواج في الولايات المتحدة الأميركية، تعاملت مع حالات عديدة راجع فيهاالزوجان بسبب خلافات زوجية متكررة أو رغبة في الطلاق. وفي البداية كانت الشكوىتدور حول ضعف التواصل أو كثرة المشكلات اليومية، إلا أنه بعد عدة جلسات منالإرشاد، كان أحد الزوجين يعترف بأن المشكلة الأساسية تكمن في اضطراب في الأداءأو الرغبة الجنسية، ظل حبيس الصمت والخجل لفترة طويلة.

وفي كثير من هذه الحالات، أثبتت الفحوصات الطبية عدم وجود أمراض عضوية أوتعاطٍ للمخدرات أو استخدام لأدوية تؤثر في الوظيفة الجنسية، الأمر الذي يشير إلى أنالأسباب كانت في الغالب نفسية أو مرتبطة بطبيعة العلاقة بين الزوجين، وهي أسبابيمكن علاجها متى تم تشخيصها مبكراً.

وتؤكد الدراسات العلمية أن الاضطرابات الجنسية ليست نادرة كما يعتقد البعض، فهيتصيب الرجال والنساء على حد سواء. وتشير بعض الدراسات إلى أن أكثر الاضطراباتشيوعاً لدى الرجال هي ضعف الانتصاب، وسرعة القذف، وانخفاض الرغبة الجنسية،بينما تعاني النساء بدرجات متفاوتة من ألم الجماع، واضطرابات الرغبة الجنسية،وصعوبة الوصول إلى النشوة الجنسية، إضافة إلى التأثير السلبي الذي تتركه الخلافاتالزوجية على الصحة الجنسية.

أما الأسباب، فهي لا تقتصر على الأمراض العضوية أو الهرمونية، بل تشمل القلق منالأداء الجنسي، والاكتئاب، والصدمات النفسية السابقة، وضعف التواصل بين الزوجين،وفقدان الثقة، والصراعات المستمرة، وهي عوامل تؤثر في جودة العلاقة الزوجيةبصورة مباشرة.

وتزداد أهمية هذه القضية عندما نطالع نتائج الدراسات التي ربطت بين الاضطراباتالجنسية والطلاق. فقد أظهر تحليل تلوي نُشر عام 2024 في مجلة International Journal of Impotence Research وجود علاقة واضحة بين المشكلات الجنسيةوارتفاع احتمالية الانفصال الزوجي. كما أشارت دراسات عربية إلى أن عدداً من الأزواجالذين كانوا على وشك الطلاق كانوا يعانون من عدم الرضا الجنسي، إلا أن هذا السببظل مخفياً بسبب الحرج الاجتماعي والخوف من الوصمة.

وفي الأردن، لا توجد حتى الآن إحصاءات رسمية توثق عدد حالات الطلاق الناتجة عنهذه المشكلات. ويعود ذلك، وفق ما أوضحه فضيلة الدكتور محمود أبو رمان، إلى أنسجلات المحاكم الشرعية تسجل أسباباً عامة مثل استحكام الخلاف أو سوء العشرة أوعدم التوافق، دون الإفصاح عن التفاصيل التي تمس خصوصية الحياة الزوجية. كما أنكثيراً من الأزواج يتجنبون التصريح بهذه المشكلات حفاظاً على الخصوصية أو خشيةالأحكام الاجتماعية.

ومن المنظور الإسلامي، فإن الزواج يقوم على السكن والمودة والرحمة والإعفافالمتبادل، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَاوَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. لذلك فإن مراجعة الطبيب المختص أو الأخصائي النفسيعند وجود مشكلة جنسية ليست أمراً معيباً، بل هي خطوة مسؤولة تسهم في الحفاظعلى الأسرة وتحقيق مقاصد الزواج.

إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل زوجين هي أن الاضطرابات الجنسية ليست وصمة، وليست حكماً بالفشل على الحياة الزوجية، وإنما هي مشكلة صحية قد تكون عضوية أو نفسية أو اجتماعية، وكثير من أسبابها قابل للعلاج. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يحل الصمت مكان الحوار، والخجل مكان طلب المساعدة.

ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب جهداً وطنياً تشارك فيه وزارة الصحة، وزارة الأوقاف ، ودائرة قاضي القضاة، والجامعات، والجمعيات المهنية، ووسائل الإعلام، لنشر الوعي  بالصحة الجنسية الزوجية، وإدراج التثقيف الزواجي ضمن برامج الإرشاد قبل الزواج، وتشجيع الأزواج على طلب الاستشارة المتخصصة عند الحاجة.

إن الحفاظ على الأسرة يبدأ أحياناً باستشارة مبكرة، أو حوار صادق، أو علاج مناسب. فكم من بيت كان يمكن أن يبقى عامراً بالمودة والرحمة لو كُسر حاجز الصمت فيالوقت المناسب. الأخصائي النفسي  والمعالج المعرفي السلوكي.

•مرخص اختصاصي من وزارة الصحة الأردنية

مدير مركز المراد للاستشارات النفسية والأسرية

قد يعجبك ايضا