صافوط والعبث بالذاكرة… حين تُسرق أسماء الشوارع وتُغتال هوية المكان.

11

حازم عكروش

في بلدة صافوط، التابعة لبلدية عين الباشا، تبدو الحكاية أوضح من أن تُخفى. أسماءشوارع غريبة عن المكان، لا تشبهه ولا تشبه أهله، ولا تمت لتاريخه بصلة.

لافتات جديدة بلا جذور، أُسقطت كقرارات جاهزة، بلا ذاكرة ولا معنى. هنا، لا يشعرالناس أنهم يسيرون في شوارعهم، بل في نسخة مشوّهة ومزورة من بلدتهم، كأنالتاريخ الحقيقي أُزيح جانبًا ليُستبدل بسردية مفروضة.

خلال جولة ميدانية، في صافوط توقفت  عند الاسماء المعلقة في الشوارع وتساءلت :أين أسماء المؤسسين؟ أين وجوه الرجال الذين بنوا هذه البلدة بعرقهم؟ الإجابة تأتيبصمت ثقيل. لقد تم تجاوزهم، وشُطب حضورهم من المشهد العام، وكأنهم لم يكونواجزءًا من هذه الأرض.

ومن الاسماء التي رصدتها في الشوارع وحمدت الله ان تذكروا اسم الشهيد في الجيشالاردني ملحم عازر الطعيمة اما الاسماء الاخرى التي لا تمت للمكان بأي صلة فهي(الاماني،  الشهامة، حسن الحريري ،الفيصل وشارع الغدير ،الهيام  ،يعلي بن امية ،ابواليسر الخليل، والتسامح ،وابو جعفر القارئ)

ما جرى لا يقرأه السكان كخطأ إداري، بل كعملية متعمدة لإعادة كتابة الذاكرةوتشويهها ، خدمة لمصالح ضيقة لا تعترف إلا بنفسها.

ان ما حدث في صافوط ليس حالة معزولة، بل نمط يتكرر في بعض البلديات، حيثتُتخذ قرارات التسمية بعيدًا عن التاريخ الفعلي للمكان، ودون أي اعتبار للبعدالاجتماعي والثقافي. النتيجة: أسماء لا يعرفها الناس، ولا تعني لهم شيئًا، في مقابلتغييب متعمد لرموز حقيقية شكّلت هوية البلدة عبر عقود.

في علم الاجتماع المحلي، تُعد أسماء الشوارع جزءًا من الذاكرة الجمعية، وسجلًا حيًايحفظ سيرة من صنعوا المكان. لذلك، فإن استبدالها بأسماء دخيلة لا يُعد مجرد تغييرشكلي، بل مساس مباشر بالحقيقة، ومنح للاعتراف لمن لا يستحق، على حساب منيستحقه. إنه، ببساطة، إعادة توزيع رمزية للتاريخ.

إن ماجرى يعتبر  إهانة صريحة لتاريخهم، واستخفافًا بذاكرتهم. فالمؤسسون الذينزرعوا الأرض وبنوا البيوت وأسّسوا لحياة قائمة على الكرامة والانتماء، لم يعودواحاضرين حتى في أسماء الشوارع التي يفترض أن تُخلّدهم. ما يحدث، بالنسبة لهم،ليس مجرد تهميش، بل محو مقصود.

لكن القصة لا تقف عند حدود القرار البلدي. فثمة مسؤولية أوسع تمتد إلى المجتمعنفسه. فاختيارات الناخبين، التي تُبنى أحيانًا على المجاملة أو العصبية، تفتح الطريقلوصول من لا يحملون حسًا تاريخيًا أو وطنيًا. وهنا، يصبح العبث بالذاكرة نتيجةطبيعية، لا استثناء.

في صافوط، كما في غيرها، يتصاعد السؤال: من يحمي هوية المكان؟ في ظل هذاالواقع، تبدو الإجابة معلّقة بين قرار رسمي يحتاج إلى مراجعة جذرية، ووعي مجتمعيمطالب بأن يستعيد دوره في المحاسبة والاختيار.

القصة لم تعد مجرد أسماء شوارع. إنها معركة على الذاكرة، على من يُذكر ومن يُمحى،على تاريخ يُكتب بقرار أو يُصان بإرادة. وفي غياب الحسم، يبقى الخطر قائمًا: أن تتحولالمدن والقرى إلى أماكن بلا ذاكرةوبلا هوية.

قد يعجبك ايضا