من فيروز ووديع الصافي إلى جوليا: حكاية الجنوب في الأغنية اللبنانية

10

العقبة الأخباري-منذ اللحظات الأولى لسريان وقف إطلاق النار في لبنان، عند منتصف ليل الخميس، بدأ لبنانيون من الجنوب بالعودة من مناطق نزوحهم إلى قراهم وبيوتهم، على الرغم من تدمير الجسور التي تربط منطقتهم بسائر المناطق.

ويتكرّر هذا المشهد مع كلّ وقف لإطلاق النار في الحروب التي شهدها لبنان معإسرائيل. وعلى مدى العقود الماضية، ألهمت علاقة الجنوبيين بأرضهم عشراتالقصائد والأغاني التي قدّمها مغنّون لبنانيون بارزون، ولاقت انتشاراً واسعاً في العالمالعربي.

كما وثّقت هذه الأعمال الغنائية، بشكل غير مباشر وضمن تسلسل زمني، تاريخ المنطقةوتحولات الحياة فيها منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، وتنوّعت بين أغانٍ شعبيةوأخرى ذات مضمون سياسي ملتزم.

ويستعرض هذا التقرير أبرز تلك الأعمال وأكثرها تداولاً، وقد كتبها ولحنها وأداهافنانون من مختلف المناطق اللبنانية، نظراً لمكانة الجنوب في الوجدان اللبناني عامةً.

وتقول الأغنية: “الله معك يا بيت صامد بالجنوب، يا التحت سقفك عالوفا ربيتنا. مشكثير عليك ترخصلك قلوب، بنوب ما بندشرك يا بيتنا”.

هذه الأغنية من أوائل الأعمال الغنائية التي تناولت الجنوب اللبناني بشكل مباشر،وتغنّت بفكرة الصمود والتعلّق بالأرض.

كما جاء في كلماتها: “بيتي ما برضى يسيب (يصبح خالياً)، بيتي أنا سلاحه، ما بتركهللذيب (الذئب) ولا بعير مفتاحه”.

وبثّت الأغنية على شاشة تلفزيون لبنان الحكومي عام 1967، وهو العام الذي شهداندلاع حرب استمرت ستة أيام بين إسرائيل وعدد من الدول العربية المجاورة، فيالفترة الممتدة من الخامس إلى العاشر من يونيو/حزيران، وكانت ثالث الحروبالعربيةالإسرائيلية.

وعلى الرغم من اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، ظلّ جنوب لبنان يشهد توتراتوخروقاً متقطعة، ما أبقى المنطقة في حالة هشاشة أمنية، قبل أن تعيد حرب عام1967 وضعها مجدداً في قلب تداعيات الصراع الإقليمي.

الأغاني الملتزمة

بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، برز نمط جديد في الأغنية اللبنانية عرفبـ”الأغنية الملتزمة”، اتّخذ طابعاً سياسياً واجتماعياً واضحاً، وبات يعكس مواقف كتّابهاومغنّيها من القضايا المطروحة آنذاك. وارتبط عدد من الفنانين الذين تناولوا جنوبلبنان في أعمالهم بتوجّهات يسارية، وتقاطعت أعمالهم مع عدّة قضايا، أبرزها القضيةالفلسطينية.

في هذا السياق، وجّه أحمد قعبور تحية إلى جنوب لبنان في ألبومه “أناديكم”، الصادرعام 1976، من خلال أغنية “جنوبيون”، وجاء في كلماتها للشاعر حسن ضاهر: “الشمستأكل لحمهم، لكنهم يعاندون الشمس. من بطون الأرض يطلعون، من عيون الشمسيطلعون، من وجه القمر، إنهم جنوبيون”.

وفي السياق نفسه، أطلق الفنان مارسيل خليفة عام 1979 أغنية مهداة إلى أهلالجنوب بعنوان “أنا يا رفاق من الجنوب”، من شعر حسن عبد الله، جاء فيها: “أنا يارفاق من الجنوب، أنا من جنوبيّ الجنوب، واجهت حواجز في الدروب، وأبرزت تذكرتيوفتّش في يديّ وفي جيوبي، أحسست إحساس الغريب يدبّ في بلدٍ غريب”. وظهرتالأغنية ضمن فيلم “كلّنا للوطن”، الوثائقي الذي أنجزه المخرج اللبناني مارون بغدادي(1956–1993) عن جنوب لبنان وأهله.

وفي العام نفسه، غنّى خليفة قصيدة الشاعر عباس بيضون “يا علي”، المهداة إلى عليتوفيق شعيب، أحد المشاركين في عملية “بنك أوف أمريكا” التي وقعت في وسط بيروتعام 1973، عقب حرب أكتوبر/تشرين الأول بين مصر وسوريا من جهة، وإسرائيل منجهة أخرى. وكان أربعة شبّان مسلحين قد اقتحموا المصرف واحتجزوا من فيه رهائن،مطالبين بمبلغ مالي دعماً لما وصفوه بالمجهود الحربي العربي، إضافة إلى الإفراج عنمعتقلين لأسباب سياسية.

وبعد مفاوضات استمرت نحو 26 ساعة، اقتحمت القوى الأمنية اللبنانية المصرف، ماأسفر عن مقتل شعيب وأحد رفاقه، واعتقال الآخرين. وجاء في كلمات الأغنية: “يا علي،نحن أهل الجنوب، حفاة المدن نروي سيرتك، على أصفى البرك والأودية”، لتختتمبالقول: “يا علي، قلبي طينة جنوبية وطبل جنوبي، وأنا مثلك يوماً ما، على أرض أقلمجداً، سيقتلني حبي، سيقتلني حزني”.

وعاد أحمد قعبور عام 1985 بأغنية جديدة تذكر جنوب لبنان ومناطقه بشكل مباشربعنوان “يا رايح صوب بلادي”، كتب كلماتها بنفسه.

وتقول كلمات الأغنية: “يا رايح صوب الليطاني دخلك وصللي السلام، صبّح أهاليالنبطية وطل شوية ع الخيام”.

وتحمل الإشارة إلى مدينتَي النبطية والخيام دلالات خاصة في سياق الصراع في جنوب لبنان، إذ ارتبطتا عبر العقود بمواجهات مسلّحة مع إسرائيل، ونشاط فصائل لبنانية وفلسطينية منذ سبعينيات القرن الماضي.

“غالي والله يا جنوب”

عام 1982، أصدر الفنان نصري شمس الدين أغنية “غالي والله يا جنوب”، من كلماتوألحان عماد شمس الدين، والتي برزت كإحدى أشهر الأغاني الوطنية اللبنانية في تلكالمرحلة.

وتزامن صدور الأغنية مع الاجتياح العسكري الذي أطلقته إسرائيل في يونيو/حزيران1982، بعد إصابة سفيرها في لندن برصاص فصيل فلسطيني.

وقالت إسرائيل إن هدف العملية كان إبعاد مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية عنحدودها الشمالية، فيما اعتبرت الفصائل الفلسطينية عملياتها ضد إسرائيل من لبنانجزءاً من الصراع القائم.

وكان اجتياح عام 1982، الذي بلغ العاصمة بيروت، امتداداً لعملية الليطاني البرية عام1978، التي شنتها إسرائيل بهدف إبعاد مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية، وانتهتباحتلال المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني.

وأمضى نصري شمس الدين القسم الأكبر من مسيرته الفنية في مسرح الرحابنة،وشارك في عدد من الأعمال ذات الطابع الوطني معهم، وكانت “غالي والله يا جنوب”من أشهر أعماله المنفردة.

وصدرت الأغنية ضمن ألبوم “الطربوش”، الذي كان آخر ألبومات نصري شمس الدين،قبل وفاته عام 1983.

“بتضلك حبيبي يا تراب الجنوب”

تعدّ أغنية “إسوارة العروس”، التي غنتها فيروز عام 1982 من كلمات جوزيف حربوألحان فيلمون وهبي، من أبرز الأغاني الوطنية اللبنانية التي ذكرت الجنوب بشكلمباشر في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي. وجاء في كلماتها: “إسوارة العروس مشغولةبالذهب، وانت مشغول بقلوب يا تراب الجنوب”.

وتستحضر الأغنية عناصر من المشهد الجنوبي، كزراعة الزيتون والسنابل، وقلعة بحرصور، وصخرة جبل عامل. ويبرز في النص مقطعان يعبّران عن ديمومة الارتباط بالأرض،رغم تعاقب الحروب والتحولات، إذ تقول: “وبتولع حروب وبتنطفي حروب، وبتضلكحبيبي يا تراب الجنوب”، و”وشو ما إجى شعوب وشو ما راح شعوب، كلن راح بيفلواوبيبقى الجنوب”.

وسبق ذلك أن غنّت فيروز عام 1977، أغنية “يا زهرة الجنوب” ضمن مسرحية “بترا”. وجاء في كلماتها: “يا زهرة الجنوب، يا عصفورة البكي، يا صغيرة أغفريلي”، قبل أنتختتم بقولها: “شوفك ساعة، بتسوى الدني كلها، يا زهرة الجنوب”.

غير أنّ بعض الآراء تشير إلى أنّ الأغنية قد تكون مرتبطة بأحداث المسرحية نفسها، التيتدور في مدينة البتراء جنوب الأردن، وليس بالضرورة بالجنوب اللبناني.

غنّت فيروز أيضاً أغنية بعنوان “المقاومة الوطنية اللبنانية” في تسجيل حي عام 2000،خلال مهرجانات بيت الدين، وهي من الأعمال التي كتبها ابنها الراحل زياد الرحباني.

وجاءت الأغنية بأسلوب زياد الرحباني المعروف، القائم على لغة لاذعة وتناول نقديمباشر. وكتب زياد في نصّها: “خلّصوا الأغاني هنّي ويغنوا عالجنوب. خلّصوا القصايدهني ويصفّوا عالجنوب. ولا الشهدا قلّوا ولا الشهدا زادوا، وإذا واقف جنوب، واقفبولاده”.

ويتابع في مقطع آخر: “كسّروا المنابر هني ويعدّوا عالجنوب. اللي عم يحكوا اليوم، هاوغير اللي ماتوا. اللي معتر بكل الأرض، دايماً هو ذاته. هيدي مش غنية هيدي بس تحية”.

غابت شمس الحق” و”أحبائي””

برزت جوليا بطرس على الساحة الغنائية اللبنانية عام 1985 بأغنية سرعان ما اكتسبتمكانة رمزية، وبات كثير من اللبنانيين يردّدونها في فترات الأزمات.

وكانت بطرس في السابعة عشرة من عمرها حين أدّت أغنية “غابت شمس الحق”، التيكتب كلماتها الشاعر نبيل أبو عبدو، ولحّنها شقيقها زياد بطرس، رغم صغر سنّه.

وجاء في كلمات الأغنية: “غابت شمس الحق وصار الفجر غروب، وصدر الشرق انشق،تسكرت الدروب. منرفض نحنا نموت، قولولن رح نبقى، أرضك والبيوت والشعب الليعم يشقى. هاو إلنا يا جنوب، يا حبيبي يا جنوب”.

وقالت جوليا بطرس في إحدى حفلاتها إنّ الأغنية كتبت بعد عملية نفّذها الجيشالإسرائيلي في مارس/آذار 1985 على بلدة الزرارية في جنوب لبنان، وأسفرت عن سقوطعشرات القتلى والجرحى، وفق مصادر لبنانية ودولية.

وبعد حرب تموز/يوليو عام 2006، التي استمرت 34 يوماً بين إسرائيل وحزب الله،عادت بطرس بأغنية جديدة مستوحاة من رسالة كان أمين عام حزب الله حينها، حسننصرالله، قد كتبها بخط يده إلى مقاتلي الحزب خلال الحرب.

صاغ الشاعر غسان مطر الرسالة شعرياً، ولحّنها زياد بطرس، وحملت عنوان “أحبائي”. وجاء في كلماتها: “استمعت إلى رسالتكم وفيها العز والإيمان، فأنتم مثلما قلتم، رجالالله في الميدان. ووعدٌ صادق أنتم، وأنتم نصرنا الآتي، وأنتم من جبال الشمسِ، عاتيةعلى العاتي.. أحبائي”.

وخلال السنوات العشرين الماضية، شهد لبنان تحوّلات سياسية واجتماعية واسعة،وانقسم الرأي العام بين مؤيّد ومعارض لجدوى أي حروب جديدة، وكذلك حيال دورحزب الله، الذي تأسس مطلع ثمانينيات القرن العشرين بدعم إيراني، وكان ينظر إليهمن قبل مؤيّديه بوصفه حركة مقاومة خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان عام1982.

في المقابل، تصنّف الولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة المتحدة واليابان، إلى جانبعدد من الدول الغربية الأخرى ودول خليجية، حزب الله منظمة إرهابية. ولا تزال مسألةسلاحه ودوره كمقاومة موضع نقاش داخلي واسع في لبنان، في ظل مشاركته في الحياةالسياسية وتمتّعه بتمثيل برلماني.

قد يعجبك ايضا