انتهاكات السيادة في الصراعات المعاصرة

13

د.تمارا زريقات

لو لم تكن السيادة مفهوما محوريا لما جادت معظم الطروحات والمنجزات الأكاديميةفي حقل العلوم السياسية بالإبحار في ماهيتها ومعناها، حيث ارتبط هذا المفهومارتباطا وثيقا بنشأة الدولة الحديثة على أنقاض نظام الإقطاع في أوروبا، وإبرام معاهدةوستفاليا عام (1648 والتي وضعت الأساس لما يسمى اليوم بالنظام الدولي الحديثالقائم على الدول ذات السيادة، بالتزامن مع انتهاء عهد السلطات العابرة للدول؛لتصبح الدولة الوحدة الأساسية في السياسة الدولية.

في حين اكتسبت السيادة مفهومها وأبعادها القانونية في كتاب الجمهورية للمفكرالفرنسي (جان بودان) بهدف القضاء على نظام الإقطاع والتحرر من سيطرة الكنيسة،ليُختزل مفهوم السيادة بأنها: السلطة العليا التي يباشرها الحاكم على المواطنين والتيتخضع للقانون، ليتطور هذا المفهوم لاحقا ويصبح نظرية من نظريات القانون الدوليالعام لها مظهران:

الأول: داخلي ويتجلى في حق الدولة بفرض سلطانها على إقليمها وممارسة تصريفشؤونها الداخلية وتنظيم حكومتها وتشريعاتها القانونية.

والثاني: خارجي، ويعني استقلال الدولة في اتخاذ قراراتها السياسية الخارجية؛باعتبارها دولة مستقلة في النظام الدولي؛ ومتساوية قانونيا مع غيرها من الدول، ولايحق لأي دولة التدخل في شؤونها السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وبمعنى فلسفي سياسي فإن السيادة تشمل امتلاك الدولة حق الاحتكار المشروع للقوة؛فكما يقول عالم الاجتماع الألماني (ماكس فيبر) فإن الدولة أساسا هي تجمع سياسييحتكر العنف المادي الذي يعطيه الشرعية القانونية والمتمثلة أساسا بالحفاظ علىالنظام الداخلي من جهة، والدفاع عن المجتمع ضد الأخطار الخارجية من جهة أخرى؛وبالتالي فإن جوهر الدولة كسلطة هو حقها بوصفها الكيان الوحيد المؤهل لممارسةهذا الدور؛ مما يعني أن غيابه هو انتشار الفوضى لا محالة.

وسيادة الدول لا تقتصر على أراضيها، بل تشمل مياهها ومجالها الجوي فوق إقليمها؛حيث نصت الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة: «بالامتناع عنالتهديد باستخدام القوة ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي»، في حينتنص المادة الأولى من اتفاقية شيكاغو للطيران المدني لعام (1944)باعتبارهاالقانون الدولي المنظم للطيرانبأن: «لكل دولة سيادة كاملة ومطلقة على المجالالجوي فوق إقليمها»، وضرورة الحصول على إذن قبل دخول المجال الجوي لأي دولة.

وبالبناء على ذلك فإن أي مرور عسكري غير مصرح به (طائرات مسيرة/ صواريخ/ طائرات حربية) يُعدحُكمافي عداد الانتهاك الصارخ للسيادة الجوية للدول، وهو مايحرك الدول لممارسة حقها المشروع في الدفاع عن مبدأ ثابت وركن رابع من أركانالدولة وهو: ((السيادة))، لضمان عدم تحول إقليمها لساحة مفتوحة للمغامراتالعسكرية والصراعات الخارجية، وبالتالي الانخراط في حرب ليست طرفا فيها منالأساس.

ومع دخول الحرب الإيرانيةالأميركيةالإسرائيلية أسبوعها الخامس، فإن ما تعرضتله العديد من الدول والذي يصنف تحت بند الاختراق السيادي للمجال الجوي للدول،يعني أن القضية ليست مجرد توتر سياسي يمكن احتواؤه بالبيانات الدبلوماسيةالتقليدية، بل ضرورة إستراتيجية تشكل أساس معادلة الدولة الحديثة الساعية نحوالتحديث والتنمية والتخطيط للمستقبل والحفاظ على تماسكها المؤسسي في ضوءالحفاظ على الاستقرار، وهذا يعني أن أي متغير يتجاوز الحدود ويعزز الاضطراب لا يمكنالتهاون أو التساهل معه؛ ولعل هذا ما يفسر جدية الخطابات والمواقف التي تندد مراراوتكرارا بالانتهاك لسيادة الدول، وبأن هذا خط أحمر وانتهاك للقانون الدولي.

 ما يعني أن تكرار التأكيد على هذا المبدأ ليس من باب الاستهلاك اللغوي؛ بل من باب ادراك دول المنطقة لمفهوم السيادة، في ظل ما نشهده من تحول في مفهوم الحرب التقليدي نحو حروب يدخل فيها الذكاء الاصطناعي والمسيرات والوكلاء، إلى جانب التعبئة الإعلامية العابرة للقارات والتي لا تقل أهمية عن الأدوات في ساحة الصراع؛ إذ أن  جميعها تصب في بوتقة هدف واحد وهو تقويض استقرار الدول دون إعلان حرب بالمفهوم  التقليدي، وبالتالي فإن صون الدول الحديثة لسيادتها يعني ضمان شرق أوسط  مستقر؛ لا يُبنى النفوذ فيه على الفوضى، ولا تُستخدم السلاح فيه بديلا للتفاوض أو  أداة لتغيير التوازنات الداخلية للدول. الغد .

*مركز الدراسات الإستراتيجيةالجامعة الأردنية.

قد يعجبك ايضا