‎الضفة الغربية في عقيدة “المحو” الصهيونية

11

   نادية سعد الدين

لن يترك «نتنياهو» مدخلا حتى لو كان موارِبا إلا ويستغله لبسط سيادة الكيان المُحتلالكاملة على الضفة الغربية، التي تُعد ظهيرا استراتيجيا مُلحا لأمنه وضمان بقائه، معثقل مناطق القدس وغور الأردن والكتل الاستيطانية بالنسبة إليه كما حددها«جابوتنسكي» مُلهم التيار اليميني المتشدد، مثلما تشكل ركنا أساسيا في نمذجة«أساطير» السردية الصهيونية حول «أرض إسرائيل الكبرى» أو «التاريخية» و»الدولةاليهودية النقية»، بوصفها ديدن استمرارية هذا الكيان المُصطنع.

   ومن ثنايا تلك الرؤية الصهيونية الزائفة؛ تأتي خلفية قرارات الاحتلال الأخيرة«لشرعنة» ضم الضفة الغربية كجزءٍ حيوي من مخطط أوسع تصاعدت أطر تنفيذهبوتيرة أكثر عنفا ومنهجية منذ بدء حرب الإبادة ضد قطاع غزة، في 7 أكتوبر 2023،كاستمرار «لبنية» استعمارية مُنظمة وممتدة منذ ما قبل عام 1948، بهدف خدمةالمشروع الاستعماري الاستيطاني الإحلالي الصهيوني في فلسطين المحتلة.

   إن ما يحدث في الضفة الغربية حاليا يُعد تطبيقا صهيونيا أمينا لنهج اجتثاثالفلسطينيين من أرضهم و»محو» وجودهم وذاكرتهم المكانية وهويتهم الوطنية، منخلال إعادة هندسة الحيز الجغرافي والديموغرافي الفلسطيني بأدوات عسكريةوقانونية وإدارية واقتصادية، مُمنهجة، سبيلا لتصفية القضية الفلسطينية، وفق الرؤيةالصهيونية.

   ويستلهم «نتنياهو» سياسته العدوانية في الضفة الغربية من أفكار الأب الروحيللدراسات الاستيطانية الحديثة المؤرخ «باتريك وولف» الذي صاغ نظريته حول«منطق المحو» (Logic of Elimination) كمحرك استعماري أساسي لتفريغ الأرض منسكانها الأصليين، أو العدد الأكبر منهم على الأقل، وإحلال جماعات المستوطنينمكانهم، كأفضل وصفة جاهزة للتهجير. لكن «نتنياهو» بصفته التلميذ النجيب لأستاذه«جابوتنسكي» صاحب مشروع إقامة «دولة يهودية ممتدة على ضفتي نهر الأردن»،يُكسب طروحات «وولف» منظورا صهيونيا خالصا بأدوات أشد فتكا وتطرفا.

   يتصور التيار اليميني المتطرف، الغالب داخل الكيان الصهيوني، أن نتيجة سياساته فيالضفة الغربية ستؤول إلى مشهد تهجير الفلسطينيين نحو الأردن، مما يُفسر وحشيةاجراءات الطرد وهدم المنازل ومصادرة الأراضي والتضييق المعيشي وإطلاق يدالمستوطنين عنفا وخرابا، لتثبيت وقائع ميدانية مغايرة ومنع إقامة كيان فلسطينيمتصل، في ظل غياب المساءلة الدولية حيال جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، وفقالقانون الدولي.

   وسعيا لمعادلة «الإزالة»/ «الإحلال» في الضفة الغربية؛ ينفذ الاحتلال مخططا«إقصائيا» لا يقتصر على ارتكاب المجازر الدموية والإبادة والتدمير، فقط، بل يتغلغلأيضا في مختلف الجوانب الحياتية، من أجل:

أولا: تثبيت السيادة على الأرض؛ وهنا يضحى التهجير وسيلة أساسية لتحقيق التجانسالجغرافي للمستوطنين وضمان بقائهم وسيادتهم.

ثانيا: توظيف القانون كأداة تهجير «شرعية» تخدم المشروع الاستيطاني. إذ يستخدمالاحتلال الأدوات القانونية والإدارية الاستعمارية لتحويل التهجير من جريمة إلى «إجراءقانوني»، أسوة بما يحدث الآن من خلال تزوير قوانين الملكية والأراضي عبر «قانونأملاك الغائبين» لمصادرة الأراضي الفلسطينية والاستيلاء عليها، فضلا عن قوانينالتخطيط العمراني عبر عرقلة البناء الفلسطيني في المنطقة «ج»، الغنية بمواردهاالطبيعية والاقتصادية وتشغل زهاء 61 % من مساحة الضفة الغربية، وتسريع وتيرةهدم المنازل الفلسطينية بحجة عدم الترخيص، ومحاولة إعادة رسم الهندسةالديموغرافية في القدس المحتلة، ضمن سياسة التهجير الصامت أو ما يسمى بالناعم.

   كما يسعى الاحتلال لتحويل القرى والمدن الفلسطينية إلى «كانتونات» معزولةبالجدران والحواجز العسكرية، لقتل فرص التطور الاقتصادي والاجتماعي والعمرانيالفلسطيني.

ثالثا: مفهوم «الترانسفير» الناعم؛ حيث يسعى الاحتلال لفرض الضغوط المعيشيةالقاسية والقيود القانونية، مثل نقص تصاريح البناء والحصار، لجعل الحياة غير ممكنةوطاردة للوجود الفلسطيني.

رابعا: تفكيك الهوية؛ من خلال ربط اقتلاع السكان من أرضهم بمحو تاريخهم وعلاقتهمبالمكان، مما يجعل التهجير عملية سوسيولوجية ونفسية وليس انتقالا جغرافيا فقط.

   ولا تعمل هذه الأدوات بشكل منفصل؛ فالقانون عند الاحتلال «يُشرعن» الهدم،وجيش الاحتلال يحمي المستوطن الذي يستولي على الأرض الفلسطينية، بينما الروايةالصهيونية الزائفة تُبرر كل ذلك الفعل دوليا.

   ورغم أن غياب المساءلة الدولية يُشجع الاحتلال على تنفيذ مخطط التهجير؛ إلا أنهذا المسار ليس حتميا بالضرورة، فكما فشل في قطاع غزة بفعل الصمود الفلسطينيالأسطوري وصلابة المقاومة وثبات الموقف الأردني والمصري المُضاد، فسيجد نفسالمصير بالضفة الغربية، حتى وسط ازدواجية المعايير لدى المجتمع الدوليوتخاذله.الغد

قد يعجبك ايضا