لماذا لا يتصالح العرب والإيرانيون؟
ماهر ابو طير
الكل يشتري الوقت في المنطقة، واشنطن تحشد وتهدد، وطهران تعيد التموضع وتنقلصواريخها وأسلحتها، والوسطاء يحاولون إطفاء حرب محتملة، وإسرائيل تراقبومنشغلة بالجبهات حولها، حتى يتم الحسم.
شراء الوقت طبيعي، لكنه عملية مؤقتة لأن واشنطن لن تسمح لطهران بشراء وقتأطول، أو جدولة الأزمة بدون سقف، وهي بحاجة لحسم المشهد والخروج بنتائج حتىتقرر سحب معداتها العسكرية، والعودة باتفاقية حتى يخرج الرئيس الأميركي بانتصارجديد عنوانه أنه منع حربا جديدة، وهذا يعني أننا لسنا أمام سلسلة طويلة من جلساتالتفاوض بين الأميركيين والإيرانيين، في منطقة تقف على قدميها ذعرا مما قد يحدث.
كل هذا يأخذنا إلى شهر رمضان، وهل سنواجه فيه حربا دموية محتملة، أم إعلانا عناتفاقية تخص التخصيب النووي، مع جدولة بقية الملفات؟.
الرئيس الأميركي ذاته وضع سقفا لكل قصة التفاوض، وقال إنه ربما يتم التوصللاتفاقية بحلول الشهر المقبل، وهذا يعني ضمنيا الحد الأعلى لجولات التفاوض، المؤكدأنه تجري بموازاتها مفاوضات سرية بين الأميركيين والإيرانيين، فيما الجولات العلنيةمجرد حصيلة للتفاوض السري، وهذا عهد الدول والأنظمة وليس جديدا في عالمالسياسة.
في كل الأحوال تبدو المنطقة أمام كلف كبيرة، لأن التوصل لصفقة مع إيران، سيجنبالمنطقة حربا، لكنها لن تكون صفقة دون ثمن، ليس على صعيد التخصيب النووي، بلعلى صعيد مطالب إيران الإقليمية المتعلقة بالاعتراف بنفوذها الإقليمي، وما قد يحصلعليه الأميركيون من أرباح من السيطرة على نفط إيران تحت عناوين الخصخصةوالمشاريع الاستثمارية، وهي جواب سوف ترتبط برفع العقوبات، ومدى استفادةواشنطن من إيران اقتصاديا، إذا تم عقد صفقة، تتذرع بالسلاح النووي، فيما غاياتهامختلفة.
وهذا يعني من جهة ثانية أن الصفقة ستؤدي إلى تداعيات جيوسياسية على دولالمنطقة، لأن خروج إيران من خانة الدولة المستهدفة، سيؤدي إلى الاعتراف بها لاعباإقليميا له تأثيراته على دول الجوار وكل المنطقة.
بالمقابل فإن وقوع أي حرب له كلفة أسوأ أيضا على استقرار العالم العربي، خصوصا،أنها لم تكن حربا عابرة كما يظن البعض، الذي يقولون إن إيران نمر من ورق سينهارسريعا، ولو كان كذلك لما عاد الأميركيون والإسرائيليون لتهديد إيران بالحرب مرة ثانيةبعد حرب الاثني عشر يوما، لولا أنهم تأكدوا أنها ما تزال قوية عسكريا، وإن كانت ضعيفةاقتصاديا، وتعاني من مشاكل داخلية، واختراقات ونقاط ضعف مختلفة.
مصلحة إيران والعرب الوصول إلى مسار ثالث إذا استطاعوا أصلا، أي التوافق والتصالحوالتفاهم، حتى لا تستفرد واشنطن وتل أبيب بالمنطقة ودولها سلما أو حربا، وهذا أمرلا يحصل لأن إيران لديها مشروعها الذي لا تريد التراجع عنه، ولأن العالم العربيمشدود بمراكزه إلى مرجعيات خارجية تفرض عليه أجندته وتمنعه أيضا من محاولةالاقتراب من إيران ومحاولة التفاهم معها، ودرء الخطر الأميركي الإسرائيلي ومن معهما.
بدون المسار الثالث سيدفع العالم العربي الكلف في كل الأحوال، سواء تفاهمالأميركيون والإيرانيون أو اقتتلوا، فيما مركز كل هذه الدوامات يكمن في مشروعالاحتلال، أي إسرائيل وخططها ومخاوفها وتطلعاتها أيضا، ولا عزل لمركز الدواماتسوى عن طريق حسبة عربية إيرانية جديدة.
بدون إصلاح العلاقات العربية الإيرانية بشكل جذري، ستواصل قوى كثيرة اغتيال هذهالمنطقة والسطو على مستقبلها وثرواتها وموقعها وحياة أهلها.الغد