هذا ما يحاك لغزة
علاء الدين أبو زينة
نشرت مجلة «كاونتربنش» يوم الجمعة الماضي مقالًا بعنوان «هل يستطيع ترامب نزعسلاح غزة بالغارات الليلية وفرق الموت»؟ ويستنطق المقال الخيال الأميركي الذييتصور أن نزع سلاح غزة ممكن باستخدام العمليات الليلية الخاطفة، والقوى بالوكالة،والعنف الانتقائي، باعتبار ذلك حلًا «عمليًا» لغزة يتجاوز السياسة.
ويوم الأحد، نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» تقريرًا بعنوان «إسرائيل تدعم سرًامليشيات جديدة تقاتل «حماس» في غزة». ويتحدث التقرير عن مقاربة إسرائيليةلغزة تقوم على توظيف قوى مسلحة محلية لمواجهة «حماس»، وتزويدها بدعملوجستي واستخباراتي وجوي غير معلن.
في المجمل، يحيل محتوى المقال والتقرير معًا إلى منطق واحد مشترك: إدارة الصراعفي غزة بأدوات أمنية عنيفة متطرفة، مع إرجاء– بل وحتى إلغاء– الاستحقاق السياسيالمتعلق بالقضية الفلسطينية. وهو نهج لا بد أن يُرتب كلفة إنسانية باهظة علىالفلسطينيين، ويعمل المأزق الإستراتيجي للكيان وراعيه الأميركي – والمتماهينمعهما.
يعرض تقرير «وول ستريت» عمل الكيان كشأن براغماتي: ثمة «إسرائيل»، المقيدةبترتيبات وقف إطلاق النار وبكلفة التدخل المباشر، «تستعين» بمليشيات فلسطينيةمحلية للوصول إلى المناطق التي تسيطر عليها «حماس»، وتزودها بإسناد بالمسيّراتوتبادل معلومات– وتقوم حتى بإجلاء مصابيها للعلاج في مستشفيات الكيان. ويقتبسالتقرير تصريحات لقادة ميدانيين محليين، وشهادات لجنود احتياط من جيش الكيانتتحدث عن «مراقبة» عمليات المليشيات، وأحيانًا تقديم «المساعدة». ويعني ذلك أنالعلاقة تتجاوز غضّ الطرف إلى التنسيق الفعلي. ويجري تقديم هذا التحرك باعتبارهوسيلة لإنهاك «حماس» من الداخل وخلق «بدائل محلية».
ما يفعله مقال «كاونتربش» هو أنه يقيم الصلة ويضع هذا التفكير في سياقه الأوسع:ثمة نزوع أميركية –تجددت مع دونالد ترامب– إلى تخيل أن بالوسع نزع سلاحالفلسطينيين بالوسائل العنيفة –بالغارات، وقوى الظل وعمليات التصفية– بدلًا منمعالجة الجذور السياسية التي دفعت الفلسطينيين إلى حمل السلاح في المقام الأول. ويلاحظ المقال أن تحويل غزة إلى مسرح لفرق الموت أو الوكلاء المسلحين لن «ينزعالسلاح» بقدر ما سيعيد إنتاج العنف بأشكال أكثر فوضوية، ويحوّل غزة إلى ساحةاقتتال داخلي دائم. ويتماهي في ذلك سلوك الكيان مع رؤية ترامب ليكونا وجهينلإستراتيجية واحدة.
ليست سياسة توظيف المليشيات والعملاء جديدة على الكيان، وهي استمرار طبيعيلعقيدة الاستعمار القياسية: «فرّق تسد». بدلًا من التعامل مع الفلسطينيين كجماعةسياسية واحدة لها حق في تقرير المصير، ينبغي تفكيكهم إلى وحدات متنافسة:فصائل، وقبائل وعائلات، ومليشيات بولاءات قائمة على مصالح ضيقة. وكما يشرحتقرير «وول ستريت»، يسمح الكيان للمليشيات العميلة بالعمل في مناطق محددة،والتحرك ضمن حدود مرسومة بطريقة تضمن له وحدَه إدارة المشهد بأقل قدر منالاحتكاك المباشر. ويعمل هذا التفكيك كأداة سيطرة وحكم، حيث يضمن وجود قوىمسلحة متنازعة في غياب سلطة فلسطينية موحّدة قادرة على التفاوض أو المطالبةبإعادة الإعمار أو السيادة، إبقاء غزة في حالة «قابلية دائمة للتدخل».
يتحدث مقال «كاونتربنش» عما يصفه بأنه «قصور الخيال السياسي في واشنطن»،باعتبار أن المسعى إلى نزع سلاح غزة بالقوة الانتقائية يفترض ضمنيًا أن السلاح هوسبب الصراع وليس نتيجته. لكنّ رؤية المقال تفترض حسن نية غير موجود لدىالأميركيين. إنهم يعرفون المعروف من قضية السبب والنتيجة، لكنهم يتجاهلونالمقدمات بوعي ويركزون على عقلنة وتثبيت النتيجة.
في الأصل، كانت «حماس» –مهما اختلفت الموقف منها– وكل فصائل المقاومةالفلسطينية نتاج سياق طويل من الاستعمار والحصار وانسداد الأفق السياسي. وينبغيأن يدرك الكيان والأميركان أن ضربها بالوكلاء أو الغارات الليلية لا يزيل الشروط التيأنتجتها وإنما يعمقها. ويقدّر المقال أن «قوى الظل» قد تنجح تكتيكيًا، لكنها تفشلإستراتيجيًا لأنها تُفرغ السياسة من وظيفتها وتستبدلها بإدارة للعنف.
وفق المقال، ربما يحقق التقاء مقاربة الكيان والمقاربة الأميركية معًا «نجاحًا جزئيًا»- لكن النتيجة ستكون كارثية. قد يتم إضعاف «حماس» في بعض الأماكن، لكن الناتجسيكون غزة مفككة، تحكمها قوى مسلحة فاقدة للشرعية الوطنية، وعاجزة عن إعادةالإعمار أو تمثيل السكان. ولن يقترب هذا من «الاستقرار» الموعود في الخططالأميركية بقدر ما هو وصفة لـ»صَومَلة» الجزء الصغير المكتظ والمحاصر المخصصللفلسطينيين من القطاع الصغير المكتظ والمدمر والمحاصر. وكما يحذر تقرير «وولستريت»، فإن ولاءات المليشيات «ذاتية» وقد «تنقلب» على منشئيها وداعميها. والتاريخ القريب في المنطقة يضج بالأمثلة على وكلاء وصنائع تحوّلوا إلى أعباء أمنيةعلى رعاتهم.
من المسلّم به أنه لا يمكن لمجتمع يحاول الخروج من حملة إبادة وحشية وتدمير هائلأن يمنح شرعية لقوى لا تخفي عمالتها للعدو القاتل. ويدرك الفلسطينيون حدودالمشروع المشترك لأميركا والكيان: المزيد من التفكيك؛ ونية مليئة بما يستوجب الشكبشأن البناء؛ وإدارة للفوضى بالفوضى من دون أي ملامسة لجوهر الصراع. وسيكون«اليوم التالي» الذي يُصاغ بهذه الأدوات يومًا آخر من إعادة تدوير الكارثة.
ينبغي أن يكون واضحًا لكل مراقب ذي عقل وعينين أن الكيان والأميركان لا يمكن أنيضمروا أي خير للفلسطينيين، وأن أي ترتيب يشرفون عليه لا بد أن يستهدف إنهاءقضية فلسطين كمقدمة لاستكمال إخضاع المنطقة. وينبغي لكل فاعل يسترشد بقيمالعدالة والإنسانية، ويقدّر المصالح طويلة الأمد أن يفعل ما بوسعه لكسر الحلقةالأمنية التي تُدار بها القضية الفلسطينية. وثمة مسارات معروفة لتحقيق ذلك.
ينبغي نزع الغطاء السياسي والقانوني عن أي ترتيبات تقوم على توظيف العنف والقتلوالمليشيات العميلة، ورفض المصادقة على أي «حل أمني» يُفرض على غزة من دونتمثيل وطني فلسطيني موحّد وشرعي. وينبغي استخدام أي أدوات ضغط ممكنة،دبلوماسية كانت أم اقتصادية أم قانونية، لمحاولة رسم مسار سياسي ينهي الاحتلالوالحصار بدلًا من إدارتهما، بما في ذلك تفعيل المساءلة الدولية وعدم التعامل معالإفلات من العقاب كواقع حتمي.
يجب الدفع نحو التعامل مع فلسطين بما هي– لا كملف إنساني أو أمني، وإنما كقضيةتحرر وطني وحقوق. وينبغي تمكين وحدة الفلسطينيين السياسية، وحماية إعادةالإعمار من التسييس الأمني، ومنع تحويل المساعدات إلى أداة ضبط وابتزاز. وينبغيتوجيه انتباه مشكِّك وغير متعاطف إلى الفخاخ المكشوفة التي تتخلل كل تفصيل منرؤية ترامب ومخططاته وسلوك الكيان الغادر بشأن غزة.الغد