الموازنة على طاولة النواب: الاسئلة المطلوبة

28

الموازنة على طاولة النواب: الأسئلة المطلوبة

د. رعد محمود التل

تأتي مناقشة مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2026 في لحظة مفصلية من مسارتنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، التي يفترض أن تشكل الإطار العام الاقتصاديللتخطيط المالي والاستثماري للدولة خلال العقد المقبل. فالموازنة ليست وثيقةمحاسبية جامدة تحدد حجم الإيرادات والنفقات وحسب، بل هي انعكاس لخياراتاقتصادية وسياسات حكومية تحدد اتجاه الاقتصاد وقدرته على تحقيق النمو.

من هذا المنطلق، فإن الدور المتوقع من مجلس النواب يجب أن يتجاوز النقاشالتقليدي حول حجم البنود والأرقام إلى مستوى أعمق يختبر مدى انسجام مشروعالموازنة مع الرؤية التحديث الاقتصادي. فالرؤية قامت على ثمانية محركات للنمووحددت قطاعات ذات أولوية مثل الصناعات عالية القيمة، الابتكار والريادة، السياحةوالخدمات المستقبلية، الزراعة والأمن الغذائي، البيئة والطاقة، والخدمات اللوجستية. وهذا يتطلب أن تعكس الموازنة توجه الإنفاق العام نحو هذه المحركات، وأن ترتبطبرؤية واضحة تقود إلى تحول اقتصادي حقيقي.

بالتالي من الضروري أن يطرح النواب عند مناقشة مشروع الموازنة أسئلة جوهريةحول مدى ترجمة الحكومة للرؤية إلى برامج قابلة للتنفيذ، وهل يظهر أثر هذه البرامجفي تخصيصات الإنفاق، وهل هناك مؤشرات قياس واضحة يمكن من خلالها تقييم ماإذا كانت الموازنة تحوّل رؤية التحديث من وثيقة نظرية إلى نتائج ملموسة على أرضالواقع؟

معالجة هذا الجانب تقود إلى المحور الثاني المتعلق بالعجز المالي، وهو أحد أبرزالتحديات التي يجب على النواب التوقف عندها. فالعجز المجمع في الموازنة ما يزالمرتفعاً ويقترب من 2.8 مليار دينار، موزعاً بين عجز الموازنة العامة البالغ نحو 2.125 مليار دينار، وعجز الوحدات الحكومية المستقلة يقارب 671 مليون دينار. إن استمرارهذا المستوى من العجز يتطلب من النواب طرح أسئلة مباشرة حول أسبابه. هل يعودإلى ارتفاع الإنفاق الجاري؟ هل يرتبط بضعف نمو الإيرادات؟ أم أن الحكومة توسعالإنفاق دون توفر إيرادات مقابلة؟ هل مصدره زيادة الانفاق الراسمالي؟ كما أن منالمهم معرفة إذا ما كان لدى الحكومه خطة مالية متوسطة المدى تهدف إلى إعادةالعجز إلى مستويات منخفضة تدريجياً بما يضمن استدامة المالية العامة وعدم تراكمالدين بصورة تزيد الأعباء خاصة مع خدمة دين تقدر بحوالي 2.26 مليار دينار.

ويأتي الجانب الثالث المتعلق بالإنفاق الرأسمالي كملف جوهري يحتاج رقابة دقيقة. فقد ارتفع بند الإنفاق الرأسمالي خلال السنوات الأخيرة، وهو أمر إيجابي نظرياً لأنهيوظف الموارد الحكومية في مشاريع تنموية تسهم في تحسين البنية التحتية والإنتاجوخلق فرص العمل. ولكن التحدي الحقيقي لا يكمن في قيمة ما تم رصده، بل في كيفيةإنفاقه وأثره الفعلي على الاقتصاد. فجزء من الإنفاق الرأسمالي يتحول في بعض الأحيانإلى نفقات تشغيلية ورواتب داخل بنود تصنف رأسمالية وهي ليست كذلك، وهو مايضعف أثره التنموي. لذلك من الضروري أن يتأكد النواب من أن الإنفاق الرأسمالي (1.7 مليار دينار) موجه إلى مشاريع إنتاجية لها عائد واضح ، وأن هذه المشاريع مرتبطةبأهداف رؤية التحديث الاقتصادي ومؤشرات قياس محددة.

ويرتبط بهذا الملف موضوع المتأخرات الحكومية، وهي لا تظهر بشكل واضح فيالموازنة رغم أنها التزام مالي حقيقي يجب التعامل معه بشفافية. وللأمانة تولي هذهالحكومة هذا الملف أهمية غي مسبوقة لأنها تدرك أن عدم تسوية هذه الالتزامات أوتأجيلها يخلق فجوة تخطيطية ويؤثر على الثقة المالية ويعطل مصالح جهات تعتمدعلى الإنفاق الرأسمالي لاستمرار أعمالها، ولذلك فإن التعامل معها بوضوح يعززمصداقية السياسة المالية ويحسن من الاداء الاقتصادي.

رغم أن المادة 112 من الدستور لا تتيح للنواب إحداث تغييرات جوهرية في أرقامالموازنة إلا من خلال خفض الإنفاق، فإن دور المجلس الرقابي لا يتوقف عند ذلك، بليمتد إلى طرح الأسئلة الصحيحة التي تحدد اتجاه السياسة المالية للدولة. والسؤالالمركزي هنا هو: هل تسهم الموازنة في نقل الاقتصاد إلى مرحلة نمو جديدة أم تبقىاستمراراً لنهج تقليدي لا يحقق الطموح؟ الإجابة على هذا السؤال هي التي يجب أنتشكل جوهر المناقشة تحت قبة البرلمان.

قد يعجبك ايضا