العقبة بين الطموح الاستراتيجي ومتطلبات السلامة

82

العقبة بين الطموح الاستراتيجي ومتطلبات السلامة

رؤية تنموية شاملة تستدعي تأسيس هيئة مستقلة للسلامة والصحة المهنية

المستشار الإعلامي عمر الصمادي

تقف منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة وشركة تطوير العقبة أمام مرحلة مفصليةتتقاطع فيها الطموحات التنموية الكبرى مع الحاجة الملحّة لإعادة بناء منظومة الأمانوالسلامة العامة على أسس أكثر صرامة واحترافية، وذلك بعد سلسلة من الحوادثالمؤسفة التي شهدتها بعض المواقع الحيوية، من مناولة المواد الخطرة إلى حوادثالتسرب والتخزين وسلاسل النقل.

هذه الوقائع لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل قرعت جرس الإنذار لكشف هشاشة بعضجوانب المنظومة الحالية، وفتح الباب واسعا أمام سؤال جوهري ( كيف يمكن للعقبة،وهي أكبر المشاريع الوطنية الاستراتيجية،  وأهم مناطق الاستثمار في المملكة، أنتمضي بثقة نحو المستقبل دون بنية مؤسسية صلبة تمسك بملف السلامة من جذوره؟

رغم وجود نماذج ناجحة داخل بعض القطاعات في العقبة ( قطاعات تمكنت من إدارةملف السلامة باحترافية جعلت نسبة الحوادث تكاد تلامس الصفر) واشير هنا مثلا الىميناء الحاويات وشركة الخدمات البحرية، إلا أن المشهد العام لا يزال بحاجة إلىمقاربة جديدة، أكثر شمولا، وأكثر قدرة على استيعاب حجم المخاطر والتعقيداتالتشغيلية في منطقة اقتصادية تتوسع بوتيرة غير مسبوقة.

*تجربة الإماراتدليل واضح على أن السلامة ليست كلفة بل استثمار وضرورة*

إن النظر إلى التجربة الإماراتية في إدارة السلامة المهنية وسلامة المنشآت وحمايةالاستثمارات يظهر نموذجا عربياً وعالميا ناجحا يُحتذى به، فقد بنت الإمارات الشقيقةمنظومة متكاملة تمتد من الموانئ والمطارات إلى المناطق الصناعية ومنشآت النفطوالغاز والمشاريع السياحية العملاقة والفعاليات الاقتصادية الكبرى، حيث اصبح معدلالحوادث فيها من الأدنى عالميا، ما عزز ثقة المستثمرين ورفع من تنافسية البلدالدولية.

*العقبةإعادة تموضع تاريخية تستوجب حماية مسارها الاستثماري*

وعودة الى العقبة  بما تمتلكه من مقومات كبيرةقادرة على الاستفادة مباشرة منهذه التجربة من خلال تبني عناصرها التنظيمية والهندسية والتشريعية لتأسيس نموذجأردني متكامل يليق بمكانتها الإقليمية.

لا شك أن سلطة العقبة وشركة التطوير تعملان اليوم على تنفيذ واحدة من أكبر الخططالاستراتيجية منذ تأسيس المنطقة الخاصة قبل نحو 25 عاماً، خطة تهدف إلى إعادةتموضع العقبة كعاصمة اقتصادية بحرية إقليمية ذات دور محوري في سلاسل النقلوالتجارة والطاقة والسياحة والاستثمار.

هذا التحول ليس مجرد تحديث للبنية التحتية أو إطلاق مشاريع جديدة، بل مشروعوطني شامل يعيد صياغة دور العقبة في الاقتصاد الكلي للمملكة ويضعها على خارطةأوسع تنافسيةً وأكثر تأثيراً.

ويأتي هذا المسار متناغما مع التوجيهات الملكية السامية، وملبيا لمتابعة سمو وليالعهد الحثيثة لمسارات التطوير، لتأكيد أن العقبة ليست مجرد منطقة اقتصادية، بلمنصة استراتيجية تتجاوز حدود الجغرافيا، وتحتاج إلى أعلى درجات الأمان لضمانتدفق الاستثمارات وحماية الأرواح والبنية الاقتصادية وبالتالي التوقعات لنتائج تلكالاحداث المؤسفة لا يجوز ان تبقى محصورة في النمط الاجرائي والمعالجات لحوادثمأساوية سابقة وبذات الطريقة التي لم تجد نفعا على الاطلاق.

*الاستثمار يحتاج بيئة فعلية آمنة لا ورقية ساكنة*

العقبة اليوم تحتاج، وبشكل عاجل، إلى كل ما يعزز تنافسيتها، وفي مقدمة ذلك تأسيسمنظومة سلامة مهنية لا تخطىء، ولا تتهاون، ولا تترك فجوات قد تبتلع ثمار الجهودوالتضحيات، فلا يمكن الحديث عن استثمار مستدام أو نمو اقتصادي طويل الأمد دونسلامة حقيقية تسبق البناء، وتواكب التشغيل، وتحمي المستقبل.

*هيئة مستقلة للسلامة والصحة المهنيةضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل*

وبناءً على ما سبق، فإن تأسيس هيئة مستقلة للسلامة والصحة المهنية في العقبة لميعد ترفاً تنظيمياً أو خياراً يمكن تأجيله، لابل أصبح ضرورة وطنية حتمية تفرضها، سلامةالإنسان أولاً، ومصلحة المدينة واقتصاد المملكة، ومن اجل حماية الاستثماراتالضخمة القائمة والمستقبلية، لمنع تكرار الحوادث التي أزهقت أرواحاً بريئة وتركتآثاراً اقتصادية ومعنوية قاسية، ولكي نضمن بيئة آمنة تدعم رؤية العقبة الاستراتيجيةالكبرى، وبما يشكل مظلّة مؤسسية قوية تمتلك الولاية والصلاحية والخبرة لإدارةسلامة العقبة بمختلف قطاعاتها، وتضعها على مسار عالمي يليق بطموحها وإمكاناتها.

العقبة اليوم أمام فرصة تاريخية، فإما أن تُحصّن نهضتها بالسلامةأو تدفع ثمنغيابها.

قد يعجبك ايضا