غزة واليمن وأوراق إيران: استنزاف إقليمي وتوتر دبلوماسي عالمي
كتب: محرر الشؤون السياسية
العقبة اليوم – تتواصل ملامح التعقيد في المشهد الإقليمي والدولي مع تصاعد التطورات الميدانية والسياسية المرتبطة بالحرب على غزة وامتداداتها إلى اليمن والبحر الأحمر، فضلًا عن التفاعلات في الساحة الدولية.
ففي الداخل الإسرائيلي، كشفت صحيفة “جيروزاليم بوست” أن هيئة عائلات الرهائن تمتلك أدلة على أن حكومة نتنياهو تُفشل صفقة تبادل الأسرى عمداً من أجل مواصلة الحرب، في خطوة تعاكس رغبة الرأي العام الإسرائيلي الساعي إلى إنهاء الأزمة عبر التفاهمات. وتزامن ذلك مع إعلان الجيش الإسرائيلي، كما أوردت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، استعادة جثمان الرهينة عيدان شتيوي من داخل قطاع غزة، وهو ما اعتبرته الحكومة إنجازًا أمنيًا، لكنه في الوقت ذاته أعاد تسليط الضوء على مأساة الرهائن وعمّق الضغوط الشعبية المطالبة بصفقة شاملة.
أما في الميدان الغزّي، فقد واصلت كتائب القسام الإعلان عن استهداف ناقلات جند وآليات إسرائيلية جنوب حي الزيتون بالقرب من جامعة غزة، وهو ما يندرج في إطار حرب الاستنزاف التي تؤكد الفصائل الفلسطينية استمرار قدرتها على استهداف القوات المتوغلة. وبحسب “وكالة رويترز”، فإن الجيش الإسرائيلي وسّع من عمليات الهدم وتفجير المباني في مناطق مثل جباليا والزيتون، في محاولة لتقليل الاحتكاك المباشر مع المقاتلين عبر اعتماد تكتيك “الأرض المحروقة”، لكن هذه السياسة رفعت منسوب الدمار والخسائر البشرية في صفوف المدنيين.
كما ذكرت قناة الجزيرة أن قوات الاحتلال استهدفت تجمعات لمنتظري المساعدات شمال القطاع، ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى، في صورة تعكس حجم المخاطر التي تحيط بالعمل الإنساني في غزة.
وفي السياق ذاته، أعلنت مستشفيات القطاع عن سقوط عشرات الشهداء منذ فجر السبت بينهم عدد كبير من منتظري المساعدات، وهو ما وثقته وكالة “أسوشييتد برس” عبر مراسليها الميدانيين.
على الجانب الآخر، تزامن التصعيد في غزة مع هجوم واسع في الساحة اليمنية، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي، وفق ما نشرته “جيروزاليم بوست”، عن تنفيذ غارة نوعية قرب صنعاء استهدفت اجتماعًا لقيادات حوثية، مؤكدًا أن الضربة جاءت بعد “فرصة استخباراتية” وأسفرت عن مقتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي وعدد من الوزراء.
بدوره، توعد رئيس المجلس السياسي الأعلى لأنصار الله، مهدي المشاط، بالثأر، موجهاً رسالة إلى الشركات العاملة في إسرائيل بضرورة المغادرة قبل فوات الأوان، أما وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت فقد وصف الضربة، بحسب تقرير لـ”تايمز أوف إسرائيل”، بأنها “ساحقة وغير مسبوقة”، مضيفًا أن الحوثيين سيتعلمون درسًا قاسيًا، ما ينذر بجولة تصعيدية جديدة في البحر الأحمر وامتداداتها الإقليمية.
إلى جانب ذلك، برز البُعد الإيراني في المشهد، إذ أعلن رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني أن بلاده مستعدة للتفاوض مع الولايات المتحدة إذا قبلت واشنطن بمبدأ تخصيب اليورانيوم، في موقف يعيد طرح الشروط التقليدية للملف النووي لكن بصيغة مشروطة جديدة، كما أوردت وسائل إعلام إيرانية رسمية. هذا التصريح يوحي بأن طهران تحاول استخدام أوراق التفاوض ضمن مشهد الحرب الممتد من غزة إلى اليمن.
دبلوماسيًا، أخذت قضية التمثيل الفلسطيني في الأمم المتحدة حيزًا مهمًا، إذ أدان وزير الخارجية الفرنسي قرار إلغاء تأشيرات ممثلي السلطة الفلسطينية قبيل انعقاد الجمعية العامة، معتبرًا أن ذلك يقوّض الجهود الدبلوماسية.
كما أعربت اللجنة الوزارية العربية الإسلامية، بحسب بيان وزارة الخارجية السعودية، عن أسفها لقرار واشنطن عدم منح تأشيرات لوفد فلسطين، وهو ما يعكس تزايد الاستياء الدولي من الممارسات التي تعرقل الحضور الفلسطيني في المحافل الأممية.
أما في الولايات المتحدة، فقد كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب تدرس خطة لإعادة تسمية وزارة الدفاع إلى “وزارة الحرب”، في خطوة رمزية تحمل رسائل سياسية داخلية حول قوة الردع الأمريكية.
وفيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، أوردت شبكة ABC News أن ترامب أبدى انفتاحًا على تقديم ضمانات أمنية باستخدام طائرات أمريكية، لكنه أقر في تصريحات أخرى، نقلتها نيويورك تايمز وديلي بيست، بأن المفاوضات لم تحقق اختراقًا حقيقيًا وأن الحرب طالت أكثر مما توقع.
بناءً على ذلك، يظهر أن المنطقة تتجه نحو اتساع أفق الصراع أفقيًا بامتداداته إلى اليمن والبحر الأحمر، وتعقّد عمودي داخل غزة عبر تكتيكات الهدم والاستنزاف، بينما يزداد الضغط الداخلي على حكومة نتنياهو بسبب ملف الرهائن.
وفي الوقت ذاته، تتعزز مواقف دولية منتقدة لواشنطن وتل أبيب مع تصاعد الأصوات الأوروبية والعربية الرافضة لتقييد التمثيل الفلسطيني، فيما تحاول إيران إعادة صياغة خطابها النووي ضمن لعبة التوازنات.
النتيجة الأبرز أن أي تهدئة قريبة ستتطلب صفقة متكاملة تشمل الأسرى ووقف النار وتدابير ملاحية، وإلا فإن سيناريو الاستنزاف الطويل سيظل هو الاحتمال الأكثر واقعية.