تقرير التحديث الاقتصادي: ما تحقق وما ينتظر

د. رعد محمود التل

39
يشكّل تقرير النصف الأول للعام 2025 للبرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي محطة مهمة وفرصة جيدة لمراجعة مسار الاقتصاد الأردني، حيث يقدم صورة عن ما تحقق فعلياً وما يزال في طور الإعداد. فالتقرير لا يقتصر على عرض إنجازات قطاعية، بل يكشف عن طبيعة المسار الاقتصادي الذي والتخطيط التنموي للدولة من بناء للبنية التحتية، جذب الاستثمار، وتعزيز القطاعات الإنتاجية وغيرها من الجوانب الاقتصادية.
على صعيد الاستثمار، يشير التقرير إلى أكثر من تسعة آلاف طلب عبر المنصة الاستثمارية الشاملة، إضافة إلى التواصل مع مئات الشركات وإدراج فرص استثمارية جديدة. هذه المؤشرات تظهر زخماً تنظيمياً وبنية مؤسسية قيد التشكيل، لكن التحدي الأبرز يبقى في تحويل هذا الحراك إلى استثمارات فعلية قائمة على الأرض. الاقتصاد الأردني يحتاج إلى مشاريع إنتاجية كبيرة وصغيرة أيضاً تولّد فرص عمل وتزيد من الصادرات، وليس فقط إلى نشاط ترويجي أو تعدد الطلبات. فالسؤال المفتوح هنا هو ما إذا كانت البيئة الاستثمارية قادرة على جذب المستثمر طويل الأجل والحفاظ على استمراريته ضمن السوق المحلي.
أما في القطاع الصناعي، أظهر الناتج المحلي قيمة تجاوزت 1.7 مليار دينار في الربع الأول من العام، ما يرسّخ مكانة الصناعة كأحد أعمدة الاقتصاد. ومع ذلك، فإن جوهر التحديث يكمن في الانتقال نحو صناعات عالية القيمة قادرة على المنافسة. الإجراءات الأخيرة مثل دعم شركات ضمن برامج ضمان ائتمان الصادرات، وإعفاء بعض المخلفات الصناعية من الرسوم عند إعادة تدويرها أو تصديرها، تمثل خطوات عملية نحو رفع القيمة المضافة. غير أن الصناعة الأردنية ما تزال تواجه تحديات هيكلية أبرزها كلف الطاقة، النقل، مدخلات الانتاج والتكنولوجيا، ما يجعل قدرتها على الانخراط في سلاسل التوريد العالمية مرهونة بإصلاحات أعمق.
في الزراعة والأمن الغذائي، أبرز التقرير مستويات مريحة للمخزون الاستراتيجي من القمح والشعير، إضافة إلى منح قروض للمزارعين تجاوزت قيمتها 40 مليون دينار خلال النصف الأول، خصص ربعها تقريباً للنساء. كذلك جرى استصلاح أراضٍ وزراعة أكثر من مليون شجرة ضمن مشروع طويل الأمد. هذه الإنجازات تعكس تحسناً في إدارة الأمن الغذائي وتوجهاً نحو الاستدامة. ومع ذلك، فإن مساهمة الزراعة في النمو تبقى محدودة، إذ يحتاج القطاع إلى رفع إنتاجيته عبر التكنولوجيا وربطه بشكل أوثق بالأسواق وسلاسل القيمة الحديثة.
في قطاع التعدين، بدأت الحكومة خطوات تأسيسية مهمة، من توقيع اتفاقيات للتنقيب عن النحاس والعناصر النادرة، إلى إعداد دراسات جدوى لمشاريع مثل استخراج الليثيوم من مياه البحر الميت. هذه المشاريع تضع الأردن أمام فرصة استراتيجية للانخراط في الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة والتكنولوجيا. لكن معظم هذه الجهود ما تزال في مرحلة الدراسات، وهو ما يعني أن أثرها الاقتصادي لن يظهر في المدى القصير، بل يتطلب استثمارات ضخمة وشراكات طويلة الأمد.قطاع النقل والخدمات اللوجستية أظهر تقدماً ملموساً وأكثر قرباً من التطبيق المباشر. فقد تم تحديث مئات الشاحنات ضمن مشروع التحديث الاستبدالي، والتقدم في مشروع الحافلات السريعة بين عمان والزرقاء، إلى جانب تطوير مطار عمان المدني. كما أن التصاميم الأولية لخطوط سكة الحديد الخاصة بالفوسفات والبوتاس تم إنجازها. هذه الإنجازات تسهم في تعزيز كفاءة التجارة والربط بين المدن، وتضع أسساً لتحويل الأردن إلى مركز لوجستي إقليمي، شرط أن يتم ربطها بالسياسات الصناعية والتجارية لضمان أكبر مردود اقتصادي.
الصورة الكلية للمشهد الاقتصادي تكشف مزيجاً من الإنجازات والتحديات. ففي حين تحقق تقدم ملموس في النقل والأمن الغذائي وبعض الخطوات في الصناعة، تبقى مجالات مثل التعدين والاستثمار في مرحلة التأسيس. وهذا يعكس طبيعة التباين بين الأثر قصير الأمد لبعض المشاريع، والطابع الاستراتيجي طويل الأمد لمشاريع أخرى. وبذلك يظهر أن البرنامج التنفيذي يمهد الطريق لمرحلة أكبر من التنفيذ، لكنه لم يصل بعد إلى النقطة التي تترجم فيها الإنجازات إلى نتائج واضحة في مؤشرات النمو أو البطالة.
يقدم تقرير النصف الأول 2025 صورة واقعية عن مسار التحديث الاقتصادي: تقدم ملموس في بعض القطاعات، وجهود تأسيسية في أخرى، وفجوة ما تزال قائمة بين الطموح والإنجاز في بعض القطاعات. إن النجاح في المرحلة المقبلة سيقاس بمدى القدرة على تسريع التنفيذ، وربط المشاريع القطاعية بالأهداف الكلية المتمثلة في النمو، خلق فرص العمل، وزيادة تنافسية الاقتصاد الأردني في بيئة إقليمية ودولية تتسم بالمنافسة العالية والتقلبات المستمرة.

*رئيس قسم الاقتصاد – الجامعة الأردنية

قد يعجبك ايضا