الصدمة والذهول… هكذا تنهي الإصابة حلم اللاعب في كأس العالم قبل أن يبدأ
العقبة الإخباري –
«The Athletic» استعرضت أهم النجوم الغائبين عن المونديال الحالي… وآخرين فقدوا لذة المشاركة خلال نسخ سابقة
تحوّلت الإصابات قبل «كأس العالم 2026» مشهداً قاسياً يذكّر بأن الطريق إلىالبطولة لا تنتهي عند حجز بطاقة التأهل ولا حتى عند إعلان القوائم، بل تظل مفتوحةعلى احتمال واحد قادر على تغيير كل شيء في لحظة واحدة: إصابة مفاجئة تسحباللاعب من أكبر مسرح كروي في العالم، وتتركه أمام تجربة لا تشبه الخسارة داخلالملعب، بل هي الغياب عن الحلم نفسه.
ووفق شبكة «The Athletic»، فإن «مونديال 2026» شهد سقوط عدد من الأسماءالبارزة ضحية للإصابات، لينضموا إلى سجل طويل من اللاعبين الذين شاهدوا حلمكأس العالم يتبخر قبل أن يبدأ، رغم أن بعضهم كانوا مرشحين لأدوار رئيسية معمنتخباتهم، فيما كان آخرون يترقبون الظهور الأول في البطولة التي قد لا تتكرر فيمسيرتهم.
في ألمانيا، كان لينارت كارل، لاعب بايرن ميونيخ؛ البالغ 18 عاماً، أحد أشد الغائبين إثارةللحسرة. فقد كان يملك فرصة أن يكون لاعباً أساسياً، أو على الأقل ورقة مفاجئة، فيقائمة المنتخب الألماني، قبل أن تنهي الإصابة احتمالات ظهوره في البطولة. وفي عمركهذا، لا تكون الخسارة مرتبطة فقط بمونديال واحد، بل بلحظة كان يمكن أن تفتح لهباباً واسعاً في ذاكرة كرة القدم الألمانية.
وفي فرنسا، جاء غياب هوغو إيكيتيكي ليحرم المنتخب من خيار هجومي مهم. لاعبليفربول كان بين الأسماء التي يمكن أن تضيف عمقاً وحلولاً هجومية للمنتخبالفرنسي، لكن الإصابة وضعت نهاية مبكرة لحلمه في المشاركة. مثل هذه الإصابات لاتؤثر على اللاعب وحده، بل تربك أيضاً حسابات المدربين، خصوصاً عندما يتعلق الأمربلاعبين قادرين على تغيير شكل الهجوم أو منح الجهاز الفني مرونة أكبر في الاختيارات.
اليابان فقدت بدورها كاورو ميتوما، أحد أكبر لاعبيها قدرة على صناعة الفارق فيالمساحات المفتوحة وعلى الأطراف. ميتوما لم يكن مجرد اسم في القائمة، بل هولاعب يحمل جانباً من هوية المنتخب الياباني الحديثة القائمة على السرعة والمهارةوالقدرة على التحول. غيابه يمثل ضربة فنية ومعنوية؛ لأن كأس العالم كثيراً ما تُحسمبتفاصيل صغيرة، ولاعب مثله كان قادراً على صناعة تلك التفاصيل.
أما البرازيل، فقد تلقت ضربتين موجعتين بغياب رودريغو وإستيفاو. رودريغو، لاعبريال مدريد، كان من الأسماء المنتظرة في مشروع كارلو أنشيلوتي مع المنتخبالبرازيلي، خصوصاً أن المدرب يعرفه جيداً من تجربته في مدريد. غيابه لا يعني فقطفقدان مهاجم موهوب، بل خسارة لاعب قادر على اللعب في أكثر من مركز هجومي. أماإستيفاو، فكان يمثل جزءاً من الجيل البرازيلي الجديد، والمنتظر منه أن يمنح المنتخبلمحة من المستقبل داخل الحاضر. إصابته حرمت البرازيل من موهبة صاعدة كانيمكن أن تحصل على أول احتكاك كبير مع كأس العالم.
وفي الولايات المتحدة، جاء غياب باتريك أغييمانغ مؤلماً لمنتخب يستعد للعبالبطولة على أرضه. بالنسبة إلى أي لاعب أميركي، فإن «مونديال 2026» ليس مجردبطولة عالمية، بل مناسبة استثنائية تحدث أمام جماهير بلاده وفي لحظة تحاول فيهاكرة القدم الأميركية تثبيت نفسها أعمق داخل الثقافة الرياضية المحلية… لذلك يصبحالغياب بسبب الإصابة مضاعف القسوة؛ لأنه لا يحرم اللاعب من كأس العالم فقط، بلمن «كأس عالم بيتية» كان يمكن أن تغيّر مسيرته.
ألمانيا تعرضت أيضاً لخسارة أخرى بغياب سيرج غنابري؛ اللاعب صاحب الخبرةالهجومية الكبيرة. غنابري يعرف البطولات الكبرى، ويمتلك قدرة اللعب في أكثر منموقع هجومي، وغيابه يحرم المنتخب الألماني من لاعب يمكن أن يكون مؤثراً؛ سواءأكان أساسياً أم بديلاً. وفي بطولات قصيرة مثل كأس العالم، تصبح خبرة مثل هذه ذاتقيمة عالية، خصوصاً في المباريات المغلقة.
هولندا فقدت تشافي سيمونز؛ أحد أكبر لاعبيها موهبة وقدرة على الربط بين الوسطوالهجوم. سيمونز كان يمثل جزءاً من جيل هولندي جديد يحاول إعادة المنتخب إلىالواجهة، وغيابه يطرح سؤالاً عن حجم الأثر الذي يمكن أن تتركه إصابة لاعب واحد فيمنظومة تبحث عن الإبداع والحلول الفردية.
هذه الأسماء الحالية لا تقف وحدها في التاريخ. فكل «كأس عالم» تقريباً حملت معهالاعباً أو أكثر حُرم من المشاركة في اللحظة الأخيرة، وبعض تلك القصص أصبح جزءاً منذاكرة البطولة بقدر ما أصبح جزءاً من أحزان أصحابها.
في «مونديال 2014»، كان ماركو رويس يعيش أفضل مواسمه مع بوروسيا دورتموند. سجل 23 هدفاً، وكان مرشحاً قوياً لدخول التشكيلة الأساسية لألمانيا في كأس العالمبالبرازيل. لكن قبل نهاية الشوط الأول من المباراة الودية الأخيرة أمام أرمينيا، تعرضلتدخل بدا عادياً من أرتور يديغاريان. سقط رويس، والتوى كاحله الأيسر بطريقة لاتحتمل التأويل. كانت النتيجة تمزقاً في أربطة الكاحل، وانتهى حلمه قبل أن يبدأ.
الأشد قسوة أن ألمانيا مضت من دونه حتى النهاية، وفازت بكأس العالم. عرض عليه«الاتحاد الألماني لكرة القدم» السفر إلى ريو دي جانيرو لحضور النهائي أمامالأرجنتين، لكنه رفض، معلناً رغبته في التركيز على التعافي. من السهل فهم ذلك القرار؛فأنْ تجلس في المدرجات وتشاهد أصدقاءك يرفعون «كأس العالم» التي كان يفترضأن تكون جزءاً منها… مشهد لا يمكن احتماله بسهولة. وبعد النهائي، حمل ماريو غوتزهقميصاً يحمل اسم رويس خلال الاحتفالات، في لفتة جميلة لم يشاهدها رويسمباشرة؛ لأنه كان قد ذهب إلى النوم بعد المباراة.
رويس نفسه يلخص قسوة التجربة بقوله إن «الطفل يحلم دائماً باللعب في كأسالعالم، وبشرف ارتداء قميص بلاده»، لكنه يضيف أن «الإصابات جزء من اللعبةوالحياة، والمهم أن يكون اللاعب مستعداً ذهنياً وأن يركز على العودة». كانت مسيرتهالدولية محكومة بهذا القدر من سوء الحظ؛ استُدعي قبل «مونديال 2010» ثمانسحب بسبب الإصابة، وغاب عن «يورو 2016»، وعن «مونديال 2022»، ولم يلعبفعلياً في «كأس العالم» إلا في نسخة 2018 التي خرجت فيها ألمانيا من دورالمجموعات.
كريستيان فييري عاش ألماً مشابهاً مع إيطاليا قبل «مونديال 2006». كان قد خسر معالمنتخب بركلات الترجيح أمام فرنسا في «ربع نهائي 1998»، وكان صاحب هدفإيطاليا في خروجها أمام كوريا الجنوبية عام 2002. ثم جاء «مونديال ألمانيا 2006» كأنه فرصة أخيرة للرد والاكتمال. المدرب مارتشيلو ليبّي كان لا يزال يخطط لضمه، بلشجعه على الانتقال إلى موناكو ليحافظ على جاهزيته بعد تراجع مشاركاته مع ميلان،لكن إصابة في الركبة خلال مارس (آذار) أنهت كل شيء.
بعدها شاهد فييري زملاءه يحققون اللقب في برلين. قال لاحقاً إنه عانى في السنواتالتالية؛ لأنه فقد حلم العمر، لكنه فرح في قلبه لزملائه الذين عاش معهم منذ مرحلةالشباب. عبارته الأشد وجعاً كانت أن ليلة برلين كانت مثالية، ولم يكن ينقصها سوىشيء واحد: وجوده هو.
في البرازيل، حملت قصة إيمرسون قبل «مونديال 2002» نوعاً مختلفاً من القسوة. كان قائداً للمنتخب قبل البطولة، لكن إصابته جاءت في ظرف غريب، بعدما خُلعتكتفه خلال لعبه حارس مرمى في التدريب. لم تكن مباراة حاسمة، ولا تدخلاً قوياً، ولاالتحاماً عنيفاً، بل لحظة عابرة في تدريب انتهت بحرمانه من البطولة كلها. وبعدهافازت البرازيل بكأس العالم، وبقي إيمرسون خارج الصورة التي كان يفترض أن يكون فيمركزها قائداً.
المدافع الأميركي كوري غيبس يقدم وجهاً آخر لهذا الألم في «مونديال 2006». كان قدانتقل معاراً إلى أدو دن هاغ من فينورد بحثاً عن دقائق لعب تضمن له الجاهزية قبلكأس العالم، وأخبره المدرب بروس أرينا بأنه سيكون ضمن قائمة الولايات المتحدة. لعب مباراة ودية كاملة أمام المغرب، وشعر بعد نهايتها بأن كل شيء طبيعي. لكنه بعددقائق داخل غرفة الملابس بدأ يشعر بأن ركبته تتيبس. الفحوصات أكدت أسوأالاحتمالات. قال لاحقاً إن أول فكرة خطرت له كانت: «لا أصدق أنني سأغيب عن كأسالعالم». بالنسبة إليه، كان الأمر مدمراً؛ لأنه حلم كل لاعب.
وفي المفارقة الأقسى، كان غيبس قبل أيام فقط يمزح مع زملائه بشأن أن هناك دائماًلاعباً أو اثنين يصابان قبل كأس العالم، متسائلين عمّن سيكون الضحية التالية. بعدوقت قصير، أصبح هو ذلك اللاعب.
حتى عظماء اللعبة لم يسلموا من هذه اللعنة. ألفريدو دي ستيفانو ساعد إسبانيا علىالتأهل إلى «مونديال 1962»، لكنه تعرض لإصابة قبل البطولة، وسافر ضمن القائمةإلى تشيلي من دون أن يكون قادراً على اللعب. بالنسبة إلى لاعب بحجم دي ستيفانو،فإن الغياب عن كأس العالم ظل إحدى الفجوات الكبرى في سيرته؛ لأنه لم يحصل علىفرصة تقديم نفسه في البطولة التي تمنح النجوم خلوداً خاصاً.
كريم بنزيما عاش تجربة مشابهة في «مونديال 2022». كان في واحدة من أفضلفترات مسيرته مع ريال مدريد، ودخل البطولة مرشحاً ليكون أحد أهم لاعبي فرنسا،لكنه تعرض لإصابة عضلية أبعدته عن مشوار المنتخب الذي وصل إلى النهائي. غيابهكان مؤلماً؛ لأنه جاء في لحظة نضج فني نادرة، وبعد فترة طويلة من الغياب الدوليوالعودة إلى المنتخب.
بيب غوارديولا غاب عن «مونديال 1998» بسبب الإصابة، وهي بطولة كان يمكن أنتمنحه حضوراً عالمياً جديداً في منتخب إسبانيا.
أما رافاييل فان دير فارت، فقد تعرض لإصابة في عضلة الساق خلال التدريب قبل إعلانقائمة هولندا لـ«مونديال 2014»، ليخسر فرصة المشاركة في بطولة وصل فيهاالمنتخب الهولندي إلى مراحل متقدمة.
روماريو كان حالة مختلفة في «مونديال 1998»… استُبعد من قائمة البرازيل بسببإصابة في الساق، لكن اللاعب كان يعتقد أنه قادر على لعب جزء من البطولة على الأقل. المدرب ماريو زاغالو لم يرغب في المخاطرة بمكان في القائمة للاعب غير جاهزبالكامل. روماريو لم يتقبل القرار، وعقد مؤتمراً صحافياً باكياً، ثم عبّر عن غضبه بطريقةساخرة لاحقاً برسم كاريكاتيرات مهينة لزاغالو ومساعده زيكو على أبواب حمامات حانةكان يملكها في ريو دي جانيرو. كانت تلك من أشد حالات الاستبعاد إثارة للجدل؛ لأنهاوقفت بين التقييم الطبي والاعتقاد الشخصي للاعب بأنه قادر على الإسهام.
ستيفن جيرارد واجه قبل «مونديال 2002» معضلة من نوع آخر. كان يعاني إصاباتمزعجة طيلة الموسم، خصوصاً في منطقة الفخذ؛ نتيجة مشكلة في الظهر. كان بإمكانهإجراء عملية تضمن جاهزيته لكأس العالم، لكنها كانت ستعني غيابه عن أسابيع حاسمةمع ليفربول في سباق التأهل إلى «دوري أبطال أوروبا». اختار البقاء مع ناديه ومواصلةالعلاج، لكنه في المباراة الأخيرة من الموسم شعر بتمزق جديد. أخبره مدربه جيرارهولييه بأنه سيغيب عن كأس العالم، فرفض حتى سماع الجملة. لاحقاً سافر إلى دبيمحاولاً الهروب من الشعور بالفقد، لكنه كتب في سيرته أنه كان يفتقد كأس العالم إلىحد أنه كان يسير على الشاطئ مرتدياً شورت منتخب إنجلترا.
روبير بيريس غاب عن «مونديال 2002» بعد إصابة في الرباط الصليبي جاءت في نهايةأحد أفضل مواسمه. قد يبدو لاحقاً أن الغياب كان نعمة مقنعة؛ لأن فرنسا خرجت منالدور الأول بصورة كارثية، لكن ذلك لا يلغي أن بيريس فقد فرصة كان يستحقها فيلحظة قمة فنية. قال وقتها إنه يريد فقط أن يتركه الناس وشأنه، وإن كأس العالم«ماتت» بالنسبة إليه.
لاسانا ديارا غاب عن «مونديال 2010» بسبب إصابته بمرض فقر الدم المنجلي، فابتعدعن حملة فرنسية تحولت فوضى كاملة بعد خلاف نيكولا أنيلكا مع المدرب ريموندومينيك وإضراب اللاعبين. هنا أيضاً قد يبدو الغياب أقل قسوة بالنظر إلى ما حدث،لكنه في لحظته كان يعني فقدان فرصة المشاركة في كأس العالم.
ميشائيل بالاك يمثل حالة أخرى تحمل مرارة خاصة. قبل «مونديال 2010»، تعرضلإصابة في الكاحل خلال مشاركته مع تشيلسي في نهائي «كأس الاتحاد الإنجليزي». غاب عن البطولة، وفي غيابه ظهر جيل ألماني شاب يضم توماس مولر ومسعود أوزيلوباستيان شفاينشتايغر، وبلغ نصف النهائي. بعد عودته من الإصابة، لم يعد المدربيواخيم لوف يعتمد عليه، وتحولت محاولة «الاتحاد الألماني لكرة القدم» تنظيم مباراةوداعية له أمام البرازيل خلافاً علنياً بعدما وصف بالاك الأمر بأنه «مهزلة». انتهتمسيرته الدولية عند 98 مباراة، لا عند الرقم المئوي الذي كان يستحقه.
في النهاية، لا تشبه إصابة ما قبل كأس العالم أي إصابة أخرى. اللاعب لا يخسر مباراة،ولا بطولة مع ناديه، ولا بضعة أسابيع من الموسم فقط… إنه يخسر موعداً قد لا يعود. بعضهم يحصل على فرصة ثانية، وبعضهم لا يحصل عليها أبداً. بعضهم يشاهد زملاءهمن بعيد، وبعضهم لا يستطيع النظر إلى الشاشة… بعضهم يحوّل نفسه مشجعاً،وبعضهم يدفن البطولة في ذاكرته كأنها لم تحدث.
ولهذا تبدو قائمة الغائبين عن «مونديال 2026» امتداداً لحكاية قديمة تتكرر بأسماءجديدة… لينارت كارل، وهوغو إيكيتيكي، وكاورو ميتوما، ورودريغو، وإستيفاو، وباتريكأغييمانغ، وسيرج غنابري، وتشافي سيمونز… جميعهم يدخلون البطولة من باب الألم لامن باب الملعب. ربما يعود بعضهم أقوى في نسخ لاحقة، وربما تبقى هذه النسخةفرصة ضائعة لا تعوض.
لكن كما قال ماركو رويس، فإن التجربة ليست جميلة، غير أن الطريق الوحيدة أماماللاعب هي محاولة العودة أقوى، وأن يبقي نفسه في تلك اللحظة الصعبة. في كأسالعالم، لا تصنع البطولة قصص الفائزين وحدهم، بل تصنع أيضاً قصص الذين كانواقريبين جداً من الحلم، قبل أن تسحبهم الإصابة من الضوء إلى الظل.
