ما بعد الحرب أخطر من الحرب
ماهر ابو طير
يكتب عبدالكريم الكباريتي رئيس الوزراء الأسبق مقالا مهما يعيد تعريف المعركةالحالية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ويفصلها عن سياق المواجهة الثلاثيةبين هذه الدول، نحو توظيف الحرب لإعادة ترسيم كل الجغرافيا السياسية.
يكتب الكباريتي مقاله في افتتاحية العدد الجديد من مجلة السياسة والمجتمعالصادرة عن معهد السياسة والمجتمع، ويقول إن الحرب بين الولايات المتحدةوإسرائيل وإيران لم تعد مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل أصبحت حدثا مفصليا يعيدتشكيل التوازنات الإقليمية والدولية، ويفرض على الدول العربية إعادة التفكير فيموقعها ودورها ومصالحها في المرحلة المقبلة.
ويضيف أن المنطقة تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، في ظل إعادة تشكيل موازينالقوى بصورة متسارعة، وأن نتائج الحرب الحالية لن تنعكس فقط على العلاقة بينإيران وإسرائيل أو على مستقبل النفوذ الأميركي في المنطقة، بل ستحدد شكل النظامالإقليمي الذي سيتبلور خلال السنوات المقبلة، وأن إسرائيل لم تعد تتحرك وفقالمفهوم التقليدي المرتبط بالأمن والدفاع عن الحدود، بل انتقلت إلى مرحلة جديدةتقوم على السعي إلى الهيمنة الإقليمية وفرض وقائع إستراتيجية جديدة في الشرقالأوسط.
المقال مهم لأنه يفك الاشتباك مع النظرية السائدة في تفسير الحرب، وهي نظريةاستهلكت الكثير من وقت المنطقة، وشعوبها ودولها، وأشغلت كثيرين عن “الحرب وراءالحرب”، كون هذه الحرب ليست موجهة فقط ضد النظام الإيراني، أو ضد الساحاتالمزعجة لإسرائيل، بقدر كونها بمثابة عملية جراحية كبرى لكل شكل المنطقة، وهذايفرض بالضرورة على العرب أن يتنبهوا إلى أن المنطقة تحت إعادة الصياغة السياسيةوالديموغرافية، بما يوجب تحركا مختلفا، في ظل محاولة توليد نظام إقليمي جديد.
تحت مظلة النظام الإقليمي الجديد الذي تتم صناعته حاليا، لا يغيب ملف الضفةالغربية والأردن في المقال، إذ يقول الكباريتي إن التحدي الإستراتيجي الأكبر الذي يواجهالأردن اليوم يتمثل في سياسات حكومة بنيامين نتنياهو تجاه الضفة الغربية والأردن،وما تنطوي عليه من مشاريع ضم وتهجير وتغييرات ديموغرافية وسياسية تمس بصورةمباشرة الأمن الوطني الأردني.
ويشير الكباريتي إلى أن هناك حاجة لتطوير برنامج أردني أكثر فاعلية تجاه الضفةالغربية، وتعزيز الانفتاح والتواصل مع مختلف القوى الفلسطينية، باعتبار أن مواجهةالسياسات الإسرائيلية لم تعد شأنا فلسطينيا داخليا فحسب، بل أصبحت قضية ترتبطبالأردن.
أهمية المقال بالدرجة الأولى تكمن في إعادة تعريف الحرب الحالية، لأن أغلبالمراقبين يركزون على العمليات العسكرية، ومحاولة الوصول إلى تسوية سياسية، فيمايتم التعامي عن أهداف الحرب الإستراتيجية، أي إعادة ترسيم الجغرافيا السياسية،وخرائط النفوذ، وهنا ومن باب الاستنتاج فقط، يمكن الاعتقاد أن ما بعد الحرب علىإيران، سيكون أصعب وأخطر بكثير، لأن مشروع الإقليم الجديد سيمتد إلى بقية الدولالعربية والإسلامية، الكبيرة والصغيرة، وليس ساحات الإزعاج لإسرائيل فقط.
هذا يقودنا إلى استخلاص نهائي يقول إن المرحلة المقبلة ليست سهلة، فيما لا يبدوأبدا أن هناك استعدادا عربيا لمرحلة ما بعد الحرب إذا توقفت، وكأن الكل يفترض أنالنهاية ستكون في طهران، وهذا استنتاج غير صحيح، بل قد تكون إيران البداية.الغد