ضوابط اعادة التصويت في مجلس النواب

11

ا.د .ليث كمال نصراوين

أقر مجلسا النواب والأعيان قبل أيام مشروع القانون المعدل لقانون الجامعات الأردنية لسنة 2026، بعد أن شهدت مناقشاته داخل مجلس النواب واقعة برلمانية تستحق الوقوف عندها من الناحية الإجرائية. فقد صوّت المجلس ابتداء على قبول الفقرة (هـ) من المادة (7) من مشروع القانون بصيغتها التي تجيز صرف نسبة من الرسوم المحصلة من البرنامج الموازي والبرنامج الدولي وبرامج الدراسات العليا لأعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية في الجامعات الرسمية.

 

إلا أن المجلس أعاد فتح النقاش بشأن هذه المادة، لينتهي إلى الموافقة على قرار لجنة التربية والتعليم النيابية، الذي تضمن استبعاد برامج الدراسات العليا من الحوافز المالية، وقصرها على البرنامج الموازي والبرنامج الدولي لمرحلة البكالوريوس، إلى جانب عدم جواز صرفها على الدراسة الخاصة وبرامج الاتفاقيات.

ولا يتعلق النقاش في هذه الواقعة بصحة مشروع القانون بعد إقراره من مجلسي الأمة، ولا بالإجراءات الدستورية اللاحقة المتعلقة بالتصديق عليه وإصداره، وإنما ينصرف حصرا إلى الجانب الإجرائي البرلماني المتعلق بمدى كفاية ووضوح الأحكام الناظمة لإعادة مناقشة المواد التي سبق التصويت عليها أثناء نظر مشروعات القوانين، وما إذا كانت هذه الأحكام تستوجب مزيدا من المراجعة والتطوير مستقبلا.

فالمادة (91) من الدستور تشترط أن يقر مجلس النواب مشروع القانون قبل إحالته إلى مجلس الأعيان، وهو ما يفترض مناقشة مواده بصورة تفصيلية، والاستماع إلى تقرير اللجنة النيابية المختصة وآراء الأعضاء والحكومة، ثم حسم الموقف من كل مادة بالتصويت، وصولا إلى إقرار مشروع القانون بمجموعه. وتظهر أهمية هذه الإجراءات في أنها لا تمثل مجرد خطوات شكلية، وإنما تعكس المراحل التي تتكون من خلالها الإرادة التشريعية للمجلس.

ومن هنا يثور التساؤل حول مدى كفاية أحكام النظام الداخلي لمجلس النواب لتنظيم إعادة فتح مادة سبق التصويت عليها في الجلسة ذاتها. فالمادة (82) من النظام الداخلي تجيز تأجيل التصويت على مشروع القانون بمجموعه إلى جلسة تالية لإعادة مناقشة مادة أو أكثر والتصويت عليها، إذا طلب ذلك رئيس المجلس أو رئيس اللجنة أو مقررها أو الحكومة أو عشرة من أعضاء المجلس.

وتكمن فلسفة هذا الحكم الإجرائي في معالجة الحالات التي قد تستدعي إعادة النظر في مادة سبق التصويت عليها قبل إقرار مشروع القانون بمجموعه، كاكتشاف خطأ في الصياغة، أو ظهور تعارض بين مادتين في مشروع القانون، أو الحاجة إلى استكمال البناء القانوني للنص. وفي هذه الحالات، تكون إعادة المناقشة أداة مشروعة لتجويد التشريع وضمان سلامة أحكامه واتساقها.

أما في الواقعة محل البحث، فقد ترتب على إعادة مناقشة المادة إدخال تعديل جوهري على النص الذي سبق التصويت عليه، إذ تغير نطاق الحوافز المالية والبرامج التي يجوز تخصيص نسبة من رسومها لهذه الغاية. وهذا التعديل يدخل في نطاق السلطة التشريعية لمجلس النواب ما دام مشروع القانون لا يزال قيد النظر ولم يجر إقراره بمجموعه، إلا أن هذه الواقعة أبرزت في الوقت ذاته أهمية وجود تنظيم أكثر وضوحا وتفصيلا للإجراءات التي تحكم إعادة فتح المواد بعد التصويت عليها.

كما قد تثير إعادة مناقشة مادة سبق التصويت عليها بعض الإشكالات الإجرائية المتعلقة باستقرار العمل البرلماني. فقد يعتبر بعض النواب أن المادة في مشروع القانون قد حسمت، فيغادرون القاعة أو ينصرف اهتمامهم إلى المواد اللاحقة، ثم يعاد طرحها في مرحلة أخرى من الجلسة بعد تغير عدد الحضور أو اتجاهات التصويت. وقد يؤدي ذلك إلى اختلاف النتيجة، ليس بالضرورة نتيجة ظهور اعتبارات تشريعية جديدة، وإنما بسبب تغير الظروف التي جرى فيها التصويت.

ولذلك، تبدو الحاجة قائمة لإعادة النظر في أحكام النظام الداخلي لمجلس النواب، بما يكفل تنظيما أكثر وضوحا للحالات التي تجيز إعادة فتح المادة بعد التصويت عليها، والإجراءات الواجب اتباعها، ومدى لزوم بيان الأسباب القانونية أو التشريعية التي تبرر إعادة المناقشة. فمن شأن هذا التنظيم أن يحقق التوازن بين استقرار الإجراءات البرلمانية والمرونة اللازمة لتجويد الصياغة التشريعية قبل إقرار مشروعات القوانين بمجموعها، بما يعزز جودة التشريع ويكرس مبدأ اليقين القانوني في العمل البرلماني.الرأي

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

[email protected]

قد يعجبك ايضا