حوادث السير .. الصمت الوبائي
د. مهند النسور
ليست جميع الأوبئة فيروسات، وليست كل الأزمات الصحية تبدأ داخل المستشفيات؛ فهناك خطرٌ صامت يرافقنا كل يوم، يحصد الأرواح، ويخلّف آلاف الإصابات والإعاقات، ويترك آثارًا تمتد إلى الأسر والمجتمع والاقتصاد. إنها حوادث السير، ذلك الوباء الصامت الذي لم يعد مجرد قضية مرورية، بل أصبح أحد أبرز تحديات الصحة العامة في عالمنا المعاصر.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن حوادث الطرق تودي بحياة نحو 1.2 مليون شخص سنويًا، وتُعد من أبرز أسباب الوفاة بين الأطفال والشباب، فضلًا عن ملايين الإصابات التي تخلّف إعاقات دائمة وتستنزف الأنظمة الصحية والاقتصادات الوطنية. وهذا يؤكد أن الاستثمار في الوقاية من حوادث السير لم يعد خيارًا، بل ضرورة صحية وتنموية.
وفي الأردن، لا تُقاس حوادث السير بعدد المركبات المتضررة، بل بعدد الأرواح التي نفقدها، والأسر التي تتغير حياتها في لحظة، والشباب الذين تتحول أحلامهم إلى إعاقات دائمة أو معاناة طويلة. وتشير بيانات مديرية الأمن العام إلى تسجيل أكثر من 187 ألف حادث مروري خلال عام 2025، أسفرت عن 510 وفيات وأكثر من 17 ألف إصابة. ورغم التحسن النسبي في عدد الوفيات، فإن هذه الأرقام ما تزال تؤكد أن حوادث السير تمثل تحديًا صحيًا ومجتمعيًا يتطلب المزيد من العمل والوقاية.
ولا تتوقف آثار الحوادث عند موقعها، بل تمتد إلى سيارات الإسعاف، وأقسام الطوارئ، وغرف العمليات، ووحدات العناية الحثيثة، حيث تستنزف جزءًا مهمًا من موارد القطاع الصحي. كما تفرض على كثير من المصابين رحلة طويلة من العلاج والتأهيل، وتنعكس آثارها على أسرهم وسوق العمل والاقتصاد الوطني.
وقد حقق الأردن خطوات مهمة في تعزيز السلامة المرورية من خلال تطوير التشريعات، واستخدام أنظمة الضبط الإلكتروني، وتحسين الاستجابة الإسعافية، إلا أن التحدي الأكبر ما يزال يتمثل في السلوك المروري. فالسرعة الزائدة، والانشغال بالهاتف أثناء القيادة، وعدم الالتزام بحزام الأمان أو قواعد المرور، تبقى من أبرز الأسباب التي يمكن الحد منها بتعزيز الوعي والالتزام.
إن الحد من حوادث السير مسؤولية وطنية ومجتمعية مشتركة، تبدأ من الفرد ولا تنتهي عند المؤسسات. فالأسرة، والمدرسة، والإعلام، والقطاع الصحي، والأجهزة الأمنية، جميعها شريكة في بناء ثقافة مرورية أكثر وعيًا ومسؤولية. فالطريق الآمن لا تصنعه القوانين وحدها، بل يصنعه الإنسان الواعي الذي يدرك أن احترام قواعد المرور هو احترام للحياة نفسها، وأن الوصول الآمن يبقى دائمًا أهم من الوصول السريع.الرأي