العبقري ….لويس دي لا فوينتي

27

عيد اللوزي

في كرة القدم، هناك من يفوز بالمباريات، وهناك من يحصد البطولات، وهناك قلةنادرة تصنع حقبة كاملة. لويس دي لا فوينتي ينتمي إلى الفئة الثالثة؛ فالرجل لم يبنِمنتخبًا فحسب، بل شيد مشروعًا كرويًا متكاملًا، بدأ من الفئات السنية وانتهى باعتلاءعرش العالم.

نهائي كأس العالم أمام الأرجنتين لم يكن مجرد مواجهة بين منتخبين عريقين، بل كانصراعًا بين فلسفتين، وبين موهبة فردية عظيمة ومنظومة جماعية متكاملة. وفي مثلهذه المباريات، لا يحسم الكأس عدد النجوم، بل يحسمه العقل الذي يعرف كيفيوظفهم.

وهنا ظهرت بصمة دي لا فوينتي.

لم يدخل النهائي باحثًا عن رد الفعل، بل فرض إيقاعه منذ اللحظة الأولى، وأدار المباراةبعقل لاعب الشطرنج لا بعاطفة المشجع. أغلق المساحات، وعطّل خطوط التمرير،وقطع شرايين الإمداد، وجعل المنتخب الأرجنتيني يلعب خارج منطقته المفضلة، حتىبدا ليونيل ميسي ورفاقه وكأنهم أشباح لاعبين، غاب تأثيرهم، وتلاشت خطورتهم،وفقدوا القدرة على فرض شخصيتهم التي أرعبت العالم سنوات طويلة.

لم يكن ذلك مصادفة، ولم يكن يومًا سيئًا للأرجنتين، بل كان نتاج قراءة تكتيكية عميقة،وضغط جماعي منظم، وانضباط تكاد تبلغ دقته حد الكمال. لقد انتصر الفكر علىالمهارة، والمنظومة على الفرد، والجماعية على الارتجال.

وهذا هو الفارق بين المدرب الجيد والمدرب العظيم؛ فالأول يدير المباراة، أما الثانيفيفرض على منافسه أن يلعب بالطريقة التي يريدها هو.

ولغة الأرقام لا تعرف المجاملة، بل تنحني احترامًا لمن يكتب التاريخ بالإنجاز:

🏆 بطل أوروبا تحت 19 عامًا – 2015.

🏆 بطل أوروبا تحت 21 عامًا – 2019.

🥈 وصيف الألعاب الأولمبيةطوكيو 2021.

🏆 بطل دوري الأمم الأوروبية – 2023.

🏆 بطل أوروبايورو 2024.

🌍🏆 بطل كأس العالم – 2026.

ست بطولات ومحطات كبرىوكلها تحمل التوقيع ذاته.

لم يعرف الفشل في أي مهمة أُسندت إليه، لأنه لم يكن يبني فريقًا لموسم أو بطولة، بلكان يبني عقلية لا تؤمن إلا بالانتصار، وثقافة تجعل اللاعب يخدم الشعار قبل أن يخدماسمه.

لقد أثبت لويس دي لا فوينتي أن كرة القدم الحديثة لم تعد تُحسم بالأقدام وحدها، بلبالعقول التي تُحسن قراءة التفاصيل، وبالمدربين الذين يحولون أحد عشر لاعبًا إلى آلةكروية تتحرك بإيقاع واحد، وتقاتل بهدف واحد، وتنتصر بروح واحدة.

سيكتب التاريخ أن إسبانيا رفعت كأس العالم، لكن المتأمل سيدرك أن الكأس لم تكن سوى الثمرة الأخيرة لمشروع بدأ قبل سنوات، قاده رجل آمن بأن المجد لا يُستعار، بل يبنى  حجرًا فوق حجر، حتى يصبح حقيقة يراها العالم كله.

إنه لويس دي لا فوينتيليس مجرد مدرب، بل مهندس أمجاد، وصانع أجيال،ومدرسة تدريبية متكاملة، وعبقرية كروية ستبقى مرجعًا لكل من أراد أن يعرف كيف صنع البطولات، وكيف يُكتب التاريخ.

قد يعجبك ايضا