المواجهة المؤجلة بين الأردن و”إسرائيل”
راكان السعايدة
لا مبالغة في العنوان، ولا خيال علمي؛ هي حقيقة مؤجلة، تتراكم أسباب جعلها واقعًاسببًا فوق سبب، ومعطى إثر معطى. والسؤال المعلّق هو: متى وكيف؟
“إسرائيل”، ومنذ طوفان الأقصى، لم تستهدف قطاع غزة فقط بالتدمير واقتطاع منطقةعازلة تقارب نصف مساحة القطاع، بل فعلت أيضًا الأفاعيل في الضفة الغربية،الخاصرة الرخوة للأردن.
كيف؟
أولًا: دمّرت أغلب مخيمات الضفة، أي دمّرت البيئات الجغرافية للمقاومة؛ فلا عمقجغرافي ولا حتى ديمغرافي لأي شكل مؤثر للمقاومة.
ثانيًا: أسّست عشرات المستوطنات الجديدة في القدس والضفة، وشرعنت عشراتالمستوطنات والبؤر الاستيطانية القديمة.
ثالثًا: أغرقت الضفة بمئات الحواجز الثابتة والطيّارة، لتصعيب وتعقيد حركة أبناءالضفة بين المدن والقرى.
رابعًا: إغلاق المسجد الأقصى المبارك لأربعين يومًا لم يكن لأسباب الحرب على إيران؛بل تم توظيف الحرب لاختبار ردود الفعل على تغييرات الواقع التاريخي. اليوم انتزعالكيان حق فتح وإغلاق الأقصى، وزاد مدة اقتحامه التي كانت في العام 2008 ثلاثساعات، وأصبحت الآن ست ساعات ونصف الساعة. كل ذلك يأتي في سياق التقسيمالزماني والمكاني.
الوقائع الأربع أعلاه تأتي كلها في سياق مشروع الضم؛ ضم الضفة الغربية، الذي لاهدف له إلا إنهاء فرصة إقامة دولة فلسطينية إلى الأبد، وتوسيع جغرافيا الكيان.
هذا يعني ألّا يبقى لفلسطينيي الضفة، وبأعداد قليلة منهم، إلا عدد محدود من المدنتُدار بما يشبه “روابط القرى”، وألّا يفكروا أبدًا بدولة مستقلة مترابطة وذات سيادة.
إن هذا المسار ماضٍ ويتصاعد، ولا يمكن إنكاره أو تجاهله، بالنظر إلى الميل الشديدنحو التطرف في مجتمع الكيان، الذي لن ينتج، في هذه الحال، إلا حكومات متطرفة علىشاكلة الحكومة اليمينية الراهنة.
عندما يقول وزير المالية سموتريتش إن “إسرائيل” ستوسع حدودها في غزة وسورياولبنان، فهو لا يقول كلامًا دعائيًا للاستهلاك، بل يعكس فكرًا وعقيدة وتوجهًا جادًا يُترجمعلى أرض الواقع.
ولأن مؤشرات التطرف بين العامة والنخب الحاكمة في الكيان تتقدم ولا تتراجع، فإنمنطق الأشياء يقول إن علينا أن نبني مقاربتنا السياسية والعسكرية على أساس أنالتفاهم مع هذا التطرف غير ممكن، وأن لحظة المواجهة تكاد تكون حتمية.
لماذا؟
ببساطة شديدة، كل ما تفعله، وستفعله، “إسرائيل” في القدس والضفة الغربية ستكونله انعكاساته المباشرة والخطيرة على الأردن.
ذلك أن تصفية القضية الفلسطينية تتطلب عدة أمور:
أولًا: تهجير كل الأردنيين المقيمين في الضفة الغربية والقدس، وهؤلاء يتراوح عددهمبين 500 ألف و700 ألف.
ثانيًا: تحت ضغط صعوبة العيش والتنقل في الضفة والقدس، سيتم تهجير أكبر عددممكن من الفلسطينيين إلى الخارج.
أي أن التهجير سيكون باتجاه الأردن لا غيره؛ لأن الكيان، بالأصل، لديه قلق شديد منمسألة التفوق الديمغرافي الفلسطيني في فلسطين التاريخية. وهذا هو السببالجوهري في رفض حل إقامة الدولة الفلسطينية، وحتى رفض فكرة الدولة الواحدة.
ما الذي يعنيه كل ذلك؟
يعني أن الأردن يواجه خطرًا جديًا وحقيقيًا من نتائج تصفية القضية الفلسطينية،وستُلقى عليه تبعات تلك التصفية، دون نظر—لا من أميركا ولا من “إسرائيل”—لنتائجذلك على بنية الدولة الأردنية. بل ربما، لا بل أكيد، سيتم هندسة التبعات لشكلومضمون الدولة.
إن “إسرائيل” لديها قناعة كاملة بأن الفرصة الراهنة لا يمكن أن تتكرر، حتى بعد مائةعام؛ ولذلك لن تفرّط بها، وستستثمرها بكل قوة لإنفاذ مشاريعها ومخططاتها.
وعندما يلتقي الواقع الدولي والإقليمي مع التطرف المتحكم في الكيان، فإن الظروفكلها ستساعده في خلق الوقائع التي يريدها.
هذا معناه أن المواجهة بين الأردن و”إسرائيل” قادمة، وإن يصعب تحديد زمانها، لكنهلن يكون بعيدًا. ستكون مواجهة لحماية الأردن، وحماية الأردن تكون بالمحافظة علىالضفة الغربية والقدس، وإقامة الدولة الفلسطينية على التراب الفلسطيني.
ما العمل؟
ببساطة، هناك جملة أمور لا بد، برأيي، من أخذها بالاعتبار والاشتباك معها:
أولًا: بناء استراتيجية عسكرية تقوم على أساس الحرب غير المتكافئة؛ ففي الأردن جيشقوي قادر على مواجهة الكيان ودحره، ومعركة الكرامة شاهدة على بسالة وشجاعةالأردنيين جيشًا وشعبًا.
ثانيًا: التحوّط الكامل والاستعداد، ليس فقط لسيناريو التهجير من الضفة الغربية، بلأيضًا لأطماع الكيان في جبال البلقاء.
ثالثًا: تحضير مسرح العمليات بما يعالج فجوة القوة النارية بيننا وبين الكيان، مع إدراكأن جزءًا من تسليحنا الأميركي قد يكون خاضعًا لقيود تقنية، ما يفرض البحث عنخيارات تسليحية يمكن التحكم بها ضمن سياق حرب غير متكافئة.
رابعًا: الاستفادة من الأردنيين، خصوصًا عند خط المواجهة، وتحضيرهم بهدوء ليكونواعونًا وسندًا للجيش والأجهزة الأمنية، بما يحقق تكامل الأدوار وفق مختلفسيناريوهات المواجهة.
خامسًا: لإفشال المشروع “الإسرائيلي” في الضفة الغربية والقدس، وتجنيب الأردنالأخطار، يجب بناء مقاربة سياسية أردنية بأبعاد إقليمية ودولية تمنع مخططات الكيانلاقتطاع أي مساحة في غزة ولبنان وسوريا.
سادسًا: الاستثمار في التباعد الحاصل بين أوروبا وأميركا من جهة، وبين أوروباو”إسرائيل” من جهة أخرى، وكذلك في التحولات داخل أميركا ذاتها، لبناء موقف دولييعمّق عزلة الكيان ويعمل على ردعه ومنعه من المضي في مخططاته التوسعية.
سابعًا: مخاطبة الدول العربية، خاصة في المشرق، بأن الأردن خط مواجهة مع“إسرائيل” وخط دفاع عن الأمن القومي العربي، وأنه بدونه لن يبقى المشرق كمانعرفه؛ وعلى العرب تحمّل مسؤولياتهم تجاه الأردن إن أرادوا الحفاظ على دولهم.
ثامنًا: بناء تفاهمات، وجبهة مواجهة سياسية على الأقل، مع الدول التي تواجه خطرًامباشرًا، أي دول الطوق: مصر وسوريا ولبنان، لزيادة ثقل التحرك إقليميًا ودوليًا.
تاسعًا: فعل كل ما هو ممكن لدعم صمود أبناء الضفة والقدس.
نعم، على الرغم من كل ما تقدم، ينبغي على الأردن امتلاك “تقدير موقف” عميقوموضوعي للواقع الداخلي والإقليمي والدولي، عند تصميم مقاربة التعامل معالمخاطر، دون الإفراط في الاتكاء على المعاهدات والتحالفات.
“إسرائيل” ليست قدرًا؛ لقد مُنيت بإخفاقات استراتيجية في غزة ولبنان وإيران، وفشلتفي ترجمة قوتها التدميرية إلى إنجازات سياسية، وربما هذا ما يجعلها أكثر عنفًا ودمويةدون أن يردعها أحد.
هزيمة “إسرائيل” ومشاريعها ممكنة، بقوة الإرادة، وبإمكانات الحرب غير المتكافئة.