فاتورة المياه الآمنة: بين الحق الإنساني وارتفاع التكلفة
المهندسة ميسون الزعبي
تتحمل الحكومات مسؤولية مضاعفة في
ظل ارتفاع تكاليف المياه. فهي تسعى من ناحية إلى تحقيق الاستدامة المالية لقطاع المياه، ومن ناحية أخرى تلتزم بحماية الفئات الفقيرة من زيادة الأعباء المعيشية. وتواجه الحكومات تحديات كبيرة في موضوع المياه، إذ قد ترتفع تكلفة المتر المكعب من المياه إلى حد قد يضغط على الخزينة ويتجاوز قدرات المواطنين. ولمواجهة ارتفاع تكاليف المياه وتأثيرها على الفئات الفقيرة، تتبنى البلدان والمؤسسات الدولية استراتيجيات تهدف إلى تحقيق “الأمن المائي” من خلال تخفيف العبء المالي وتحسين الكفاءة.
تتنوع الأدوات التي تستخدمها الحكومات بين إعادة هيكلة التعرفة، وتوسيعالاستثمارات، وتقديم الدعم المباشر. تتبنى العديد من الحكومات نظاما يفرق بين“الاستهلاك الضروري” و”الاستهلاك الترفيهي” لضمان وصول المياه إلى الفقراء بأسعارمعقولة. وتتمثل أبرز الجهود والمطالبات الحكومية لدعم الفئات المهمشة في إعادة هيكلة التعرفة، والعمل على ضمان أن تكون أسعار المياه عادلة ومناسبة للفئات الأقل دخلاً، خاصة مع التوجهات لرفع التعرفة لتغطية التكاليف التشغيلية لشرائح الاستهلاك المخفضة. الحفاظ على الأسعار المنخفضة للشرائح الدنيا التي تمثل استهلاك الأسرالفقيرة، في حين ترتفع الأسعار تدريجياً بالنسبة لكبار المستهلكين. الحد من فاقدالمياه، وتمويل مشاريع تحديث الشبكات، حيث أن فقدان المياه هو السبب الرئيسيلارتفاع التكاليف. الدعم الطارئ فيما يتعلق بتوفير مياه الشرب بأسعار مناسبة،وإجراءات ضمان استدامة احتياطي المياه لمواجهة الأزمات. بناء سلوكيات ذكية لترشيد استهلاك المياه وتركيب أدوات توفير المياه التي تقلل الاستهلاك بنسبة تصل إلى 35%. وتشمل الحلول العملية إصلاح التسريبات على الفور، واستخدام أجهزة توفيرالمياه في الحنفيات والدش، وغسل الملابس والأطباق فقط عندما تكون ممتلئة،وسقي النباتات في الصباح الباكر أو في المساء.
ومن أبرز آليات المساعدة والحلول لمشكلة المياه لدعم الفئات المهمشة، تقنياتالتكيف المائي من خلال دعم تركيب أنظمة تجميع مياه الأمطار على أسطح المنازل،ومعالجة وإعادة استخدام المياه الرمادية، مما يقلل الاعتماد على شبكة المياهالرئيسية. إعادة تأهيل الشبكات، وبرامج تمويلية لصيانة وتحديث أنابيب المياه فيالمناطق الفقيرة لتقليل الخسائر الفنية، وبالتالي تخفيف الضغط على الفاتورة. تعزيز قدرات المجتمع ودعم مشاريع تشغيل وصيانة المياه في المناطق الريفية والمجتمعية المضيفة لتحسين الوصول إلى المياه بأسعار معقولة. مشاريع المياهالمستدامة وتركيب أنظمة الطاقة الشمسية لتشغيل الآبار الزراعية ومضخات المياهلصغار المزارعين. وتساهم هذه التدابير في تحسين المعايير الصحية والبيئية وتقليل التكلفة المباشرة على الأسر.
تتفاقم أزمة ندرة المياه في الأردن، ويتطلب هيكلة تعرفة المياه الجديدة التي بدأتطبيقها في 2026، زيادة سنوية تدريجية لتغطية تكاليف التشغيل والصيانة. ورغم فهمالضرورات الاقتصادية، فإن الفئات المهمشة وذات الدخل المنخفض لا تتحمل المزيدمن الأعباء المباشرة، مما يهدد أمنها المائي والغذائي.
ومن هنا، نوجه الحكومة الأردنية إلى ضرورة اتخاذ إجراءات حماية فورية للأسر الأردنية المهمشة وذوي الدخل المحدود في ظل ارتفاع تكاليف المياه، وذلك من خلال توسيع مظلة الدعم النقدي المباشر، من خلال توجيه الدعم الطارئ والعاجل للفئات الأكثر تضرراً من ارتفاع الفواتير الشهرية، لضمان عدم استنفاد المياه لجزء كبير من دخلهم الثابت. الحفاظ على دعم الشرائح الأقل استهلاكاً، وتثبيت أسعار التعرفة للشرائح الأولى(الاستهلاك المنزلي الأساسي)، وضمان عدم إثقال كاهل الأسر الفقيرة بأي زياداتجديدة في فاتورة المياه الشهرية. تفعيل الدعم المباشر من خلال إنشاء برنامج دعم مالي فوري أو قسائم مياه للأسر الأشد فقرا والتي تضطر لشراء مياه الصهاريج بأسعار مرتفعة بسبب ضعف وصول الشبكة إليها. الإسراع في صيانة شبكات المياه وتقليلالخسائر الفنية (التي وصلت إلى مستويات عالية) لتقليل تكاليف التشغيل علىالحكومة والضغط على المواطنين. إعطاء الأولوية لحقوق الإنسان والتأكد من التزامشركات المياه بتزويد الأسر بحصة أساسية من المياه (وفقاً للمعايير الدولية لحقوقالإنسان) كحق أساسي لا يمكن قطعه بسبب عدم القدرة على دفع الفواتير. اعتماد حلول تكنولوجية منخفضة التكلفة من خلال دعم مبادرات المجتمع المدني والقطاع الخاص لتوفير تقنيات تجميع مياه الأمطار ومعالجة المياه الرمادية في المنازل المهمشة لتقليل الاعتماد على الشبكة العامة. تكثيف حملات الصيانة المجانية للحدمن الفاقد الفني للمياه في المناطق الفقيرة من خلال صيانة الشبكات المنزليةالمتهالكة والتي تتسبب في ارتفاع مفاجئ وغير مبرر في الفواتير. إشراك هذه المنظماتفي تحديد الفئات “الأكثر ضعفاً” لضمان وصول الدعم الحكومي إلى مستحقيه فعلاًوتحقيق العدالة الاجتماعية.
المياه في الأردن ليست مجرد سلعة تجارية، بل هي حجر الزاوية في الاستقرارالاجتماعي، وحماية المهمشين جزء لا يتجزأ من استراتيجية المياه الوطنية. إنالاستثمار في حماية الأمن المائي للمواطنين المهمشين هو استثمار في الاستقرارالاجتماعي والاستدامة الوطنية.