كيف نحرر عقولنا من سيطرة هواتفنا؟
في عصر أصبحت فيه الهواتف الذكية امتداداً لأيدينا، لم يعد استخدام وسائل التواصلالاجتماعي مجرد عادة يومية، بل تحول لدى كثيرين إلى سلوك يصعب الاستغناء عنه. فبالنسبة لملايين الأشخاص، يبدأ اليوم بتفقد الهاتف وينتهي به، وسط ساعات طويلةمن التصفح المتواصل. ومع تزايد الأدلة العلمية والقانونية، تتصاعد التساؤلات حولتأثير هذا الاستخدام المكثف على الصحة النفسية والقدرات الذهنية، وما إذا كان منالممكن عكس آثاره.
تشير بيانات إلى أن الأميركي العادي يقضي ما بين أربع إلى خمس ساعات يومياً علىهاتفه، وغالباً ما يكون أول ما يفعله عند الاستيقاظ وآخر ما يقوم به قبل النوم، وفقاًلصحيفة «إندبندنت».
ويبدو أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد مجرد نقاش نظري، بل أصبح قضيةتُناقش في المحاكم. ففي حكم تاريخي صدر مؤخراً في ولاية كاليفورنيا، أمرت هيئةمحلفين شركتي «ميتا» و«يوتيوب» بدفع ستة ملايين دولار تعويضات لامرأة شابة،بعد عرض تفاصيل إدمانها على هذه المنصات. وفي ولاية نيو مكسيكو، توصلت هيئةمحلفين في قضية مشابهة إلى أن «ميتا» تُلحق ضرراً بالصحة النفسية للأطفال،وألزمتها بدفع 375 مليون دولار لانتهاكها قانون حماية المستهلك.
ورغم أن الشركتين استأنفتا هذه الأحكام، فإن هذه القضايا، إلى جانب تزايد الأبحاثالعلمية حول آثار الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، تشير إلى تحولملحوظ في النظرة إلى هذه المنصات وتأثيرها.
هل يمكن عكس التأثيرات؟
تشير دراسة نُشرت العام الماضي إلى أن تقليل استخدام الأجهزة الرقمية– حتى بشكلبسيط– قد يُحقق نتائج لافتة. فقد أظهرت الدراسة أن ما يُعرف بـ«إزالة السمومالرقمية» يمكن أن يُحسّن القدرات الذهنية بشكل يعادل استعادة نحو 10 سنوات منالتراجع المعرفي المرتبط بالعمر، إلى جانب تحسين الصحة النفسية لدى 467 مشاركاً.
في هذه الدراسة، التي نُشرت في مجلة PNAS Nexus، طُلب من المشاركين حظرالوصول إلى الإنترنت على هواتفهم لمدة أسبوعين باستخدام تطبيق مخصص. ورغمذلك، ظل بإمكانهم إجراء المكالمات وإرسال الرسائل النصية، واستخدام الإنترنت عبرأجهزة أخرى مثل الحواسيب والأجهزة اللوحية.
ويعود هذا التصميم إلى أن الباحثين يرون أن استخدام الهاتف الذكي تحديداً أكثر«إدماناً وتلقائية» مقارنةً باستخدام الحاسوب، كما أنه يتداخل مع أنشطة الحياةاليومية مثل تناول الطعام أو المشي أو مشاهدة الأفلام.
نتائج لافتة خلال فترة قصيرة
أظهرت النتائج أن متوسط الوقت الذي يقضيه المشاركون على الإنترنت انخفض من314 دقيقة يومياً إلى 161 دقيقة. وبنهاية فترة التجربة، أفاد المشاركون بتحسنملحوظ في حالتهم المزاجية، وزيادة في القدرة على التركيز، وتحسن عام في الصحةالنفسية.
وأشار مؤلفو الدراسة إلى أن التحسن في القدرة على التركيز المستمر كان كبيراً لدرجةأنه يُعادل تقريباً تعويض عقد كامل من التراجع المعرفي المرتبط بالعمر.
واللافت أن الفوائد لم تقتصر على المشاركين الذين التزموا تماماً بالتجربة؛ إذ لوحظتحسن أيضاً لدى أولئك الذين لم يلتزموا بشكل كامل. وفي هذا السياق، أوضحكوستادين كوشليف، الأستاذ المشارك في علم النفس بجامعة جورجتاون، أن الأمر لايتطلب انقطاعاً تاماً عن التكنولوجيا، قائلاً: «ليس من الضروري أن تحرم نفسك مناستخدام الأجهزة الرقمية إلى الأبد. حتى التوقف الجزئي، ولو لبضعة أيام، يمكن أنيكون فعالاً».