حرب إيران تكشف هشاشة منظومة الدفاع الأميركية أمام سيطرة الصين على المعادن الحرجة
العقبة الإخباري -لم تكن تكلفة الحرب مع إيران محصورة في عدد الصواريخ الاعتراضيةالتي أُطلقت، ولا في حجم الضربات التي طالت القواعد والرادارات الأميركية في الشرقالأوسط، بل في حقيقة أكثر عمقاً وإزعاجاً لواشنطن وهي أن إعادة بناء ما استُهلك أوتضرر من منظومات الدفاع المتقدمة لا تتوقف فقط على القدرات الصناعية الأميركية،بل تمر أيضاً عبر معادن حرجة تملك الصين قبضتها شبه الكاملة عليها
هنا، لا تبدو المشكلة مجرد فجوة لوجيستية مؤقتة، بل نقطة ضعف استراتيجية تتقاطعفيها الجغرافيا العسكرية مع الجغرافيا الاقتصادية، وتعيد إحياء سؤال قديم تردد فيتقارير أميركية سابقة: ماذا لو وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام أزمة دولية جديدة،بينما مخزوناتها تتآكل وقدرتها على التعويض بطيئة ومقيّدة؟
استنزاف الحرب لا يُقاس بعدد الصواريخ فقط
تقرير في «بوليتيكو» كشف أن الحرب خلال أسابيع قليلة استنزفت جزءاً مهماً منمنظومة الدفاع الصاروخي الأميركية في المنطقة، بعدما استهدفت إيران وحدات رادارواتصالات ومكونات إنذار مبكر، بما أجبر الولايات المتحدة وحلفاءها على إطلاق أعدادكبيرة من الصواريخ الاعتراضية للتعامل مع التهديدات الواردة. ووفق التقديرات المشارإليها، فإن إضعاف الرادارات ومنظومات التتبع يرفع تلقائياً تكلفة الاعتراض؛ لأن إصابةالهدف تصبح أصعب؛ ما يعني استخدام عدد أكبر من الصواريخ لإسقاط مسيّرة أوصاروخ واحد.
هذه النقطة أساسية؛ لأن النقاش العام غالباً ما ينشغل بعدد ما أطلقته إيران أو ما تماعتراضه، بينما الخطر الحقيقي يكمن في «معدل الاستهلاك» الأميركي؛ فالحروبالحديثة لا تُنهك فقط عبر الخسائر المباشرة، بل عبر إجبار الخصم على إنفاق ذخائرباهظة ومعقدة أسرع من قدرته على تعويضها.
وهذا ما يفسر سبب تصاعد القلق الأميركي منذ سنوات من أن أي مواجهة كبيرة فيالشرق الأوسط، أو في أوروبا، أو في المحيط الهادئ، قد تلتهم مخزونات بُنيت علىافتراضات زمن السلم لا على متطلبات حرب ممتدة ومتعددة المسارح.
ومن هذه الزاوية، جاءت حرب إيران لتؤكد ما حذرت منه تقارير سابقة عن القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية: أن الولايات المتحدة لا تعاني فقط من ضغط على الإنتاج، بل من اختناق في المكونات الدقيقة والمواد الخام اللازمة لصناعة الأسلحة المتقدمة؛ ولذلك فإن الحديث عن «إعادة التسلح» بعد الحرب ليس قراراً مالياً فحسب، بل اختبار لقدرة الاقتصاد الأميركي نفسه على إنتاج الحرب بوتيرة كافية.
المعادن الحرجة نقطة تفوق صينية
العقدة الأكثر إحراجاً لواشنطن تتمثل في أن كثيراً من مكونات الدفاع الصاروخي تعتمدعلى معادن حرجة تسيطر الصين على معالجتها وتكريرها. تقرير «بوليتيكو» يركزخصوصاً على الغاليوم، وهو عنصر أساسي في بعض الأنظمة الإلكترونية والراداريةالمستخدمة في الاعتراض والكشف، إلى جانب معادن أرضية نادرة ثقيلة مثل التيربيوموالديسبروسيوم، التي تدخل في أنظمة التوجيه والاستهداف، بينما تهيمن بكين علىأكثر من 90 في المائة من معالجة هذه المعادن.
المفارقة هنا أن الحرب التي يُفترض أنها برهنت على التفوق العسكري الأميركي، كشفتفي الوقت نفسه أن هذا التفوق يعتمد جزئياً على سلاسل إمداد لا تتحكم فيهاواشنطن. وبذلك، تتحول الصين من منافس جيوسياسي بعيد عن ساحة المعركة إلىلاعب حاضر في قلب معادلة التعويض العسكري الأميركي. فكلما ارتفع الطلب الأميركيعلى الغاليوم وغيره من المعادن لإعادة ملء المخزونات أو إصلاح المنظوماتالمتضررة، ازدادت قدرة بكين على استخدام موقعها الصناعي ورقة ضغط في التفاوضالسياسي والتجاري.
تضيف «بوليتيكو» أن هذا ليس تخوفاً نظرياً؛ إذ إن أسعار الغاليوم ارتفعت بنسبة 32 في المائة خلال شهر واحد، بعد شهور من التراجع النسبي الذي أعقب تفاهمات أميركيةـ صينية سابقة، كما أن الصين سبق أن أظهرت استعدادها لتقييد الوصول إلى هذهالمواد عندما رأت في ذلك أداة نفوذ. لذلك، فإن أي نقاش أميركي عن «استعادةالجاهزية» بعد الحرب لا يمكن فصله عن ميزان القوة مع الصين، حتى لو كان القتالنفسه قد وقع في الشرق الأوسط.
الأخطر من ذلك أن المشكلة لا تخص الحرب الحالية وحدها. فإذا اندلعت أزمة جديدة في آسيا، مثلاً حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي، بينما لم تكن الولايات المتحدة قد أعادت بناء مخزوناتها ومكوناتها الأساسية بعد، فإنها ستدخل المواجهة وهي أقل مرونة وأكثر اعتماداً على خصمها الاستراتيجي لتأمين ما تحتاجه من مواد أولية. وهذه مفارقة يصعب على واشنطن قبولها نظرياً، لكنها قائمة عملياً.
الزمن الصناعي أبطأ من الزمن العسكري
يشير التقرير إلى أن الإدارة الأميركية
تحاول منذ مدة تقليص هذا الاعتماد عبر توسيع الشراكات مع الحلفاء ودعم الإنتاجالمحلي، وعمدت إلى خطوات من قبيل التفاوض على ترتيبات متعددة الأطرافللمعادن الحرجة، وطلب تمويل لمكتب مختص في وزارة الطاقة، وتحرك وزارةالخارجية مع الحلفاء لتأمين السلسلة، فضلاً عن استثمار «البنتاغون» في شركاتأميركية وأسترالية، ومنها مشروع مصفاة غاليوم في أستراليا الغربية.