كيف يحمي الأردن مياهه في عصر التحول الرقمي؟
إيمان الفارس
في لحظة يتسارع فيها سباق الذكاء الاصطناعي عالميا، يقف الأردن أمام معادلة دقيقةعنوانها كيف يرسّخ موقعه في الاقتصاد الرقمي دون أن يضيف ضغطا جديدا على واحدمن أكثر موارده هشاشة، وهو المياه؟
والسؤال هنا لم يعد تقنيا بحتا، بل تنمويا وأمنيا بامتياز؛ فوفق قراءات خبراء في قطاعالمياه، أشاروا في تصريحات لـ”الغد”، إلى إمكانية أن يواكب الأردن التحول الرقميويستقطب استثمارات مراكز البيانات، شريطة أن يعيد تعريف هذه المراكز بوصفها“مستهلكا مائيا صناعيا حساسا” يخضع لسياسات صارمة، تماما كما تخضع الزراعةوالصناعات الثقيلة.
وقالوا في هذا السياق، إن ذلك يعني أن التوسع الرقمي لا يدار بمعزل عن التخطيطالمائي، بل يدمج ضمنه منذ اللحظة الأولى.
ويضع تقرير لمجموعة البنك الدولي، الذي حصلت “الغد” على نسخة منه، الإطارالأوسع لهذه المعادلة؛ فمراكز البيانات التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعيتستهلك اليوم نحو 1.5 % من الكهرباء عالميا، مع توقعات بتضاعف الاستهلاك بحلولالعام 2030 ليصل إلى قرابة 945 تيراواط/ساعة سنويا.
غير أن التكلفة لا تقاس بالكهرباء وحدها؛ فالتبريد التبخيري المعتمد في كثير منالمراكز يجعلها كثيفة الاستهلاك للمياه، المباشرة وغير المباشرة عبر توليد الطاقة.
وتتقاطع تحليلات المختصين مع تقرير البنك الدولي، حول أن التحدي لا يكمن فيالاختيار بين الرقمنة والمياه، بل في إدارة العلاقة بينهما بصرامة وشفافية.
فالأردن، الساعي إلى ترسيخ موقعه كمركز إقليمي للبيانات والتحول الرقمي، لا يملكترف الفصل بين التخطيطين المائي والرقمي، كما أن الحفاظ على استدامة المياه فيظل نمو الذكاء الاصطناعي، يتطلب أن تعامل مراكز البيانات كقطاع مائي جديد، تحسببصمته بدقة، ويدمج في إستراتيجيات الطاقة والمياه والغذاء، ويقابل كل استهلاكإضافي بإجراءات تعويضية وابتكارية.
وعندها فقط يمكن أن تتحول البنية التحتية الرقمية من منافس للزراعة والصناعةوالاستخدام المنزلي إلى رافعة تدعمها، وتصبح التكنولوجيا، كما خلص الخبراء، “أداةلحماية الموارد لا عبئا عليها”، في بلد بات الأمن المائي فيه شرطا مسبقا لأي طموحتنموي.
مواكبة التحول الرقمي
في ظل التسارع العالمي في تقنيات الذكاء الاصطناعي وتنامي الاستثمارات في مراكزالبيانات، يبرز سؤال جوهري أمام الأردن؛ كيف يمكن مواكبة التحول الرقمي دون تعميقأزمة شحّ المياه في واحد من أكثر بلدان العالم ندرة مائيا؟
وفي هذا السياق، رأى المستشار الإقليمي في مجال التعاون بإدارة المياه المشتركة م. مفلح العلاوين، أن الإجابة تبدأ من إعادة تعريف موقع مراكز البيانات ضمن السياساتالمائية الوطنية، إذ قال إن “الأردن يستطيع الاستفادة من التحول الرقمي والذكاءالاصطناعي دون تعميق أزمة شحّ المياه إذا اعتبر مراكز البيانات مستهلكا مائيا صناعياحساسا يدار ضمن سياسات صارمة للحيّز المائي، تماما كما تدار الزراعة والصناعةالثقيلة”.
وأكد ضرورة أن يتم ربط أي توسّع في البنية التحتية الرقمية بشكل مباشر بأهدافالإستراتيجية الوطنية للمياه 2023–2040، وألا يؤثر على الاستخدامات المنزلية أوالزراعية أو الصناعية القائمة، مشددا على أن “التحول الرقمي لا يعني بالضرورة زيادةالضغط على مصادر المياه، إذا ما أُدرجت مراكز البيانات ضمن منظومة التخطيطالمائي كقطاع صناعي ذي حساسية خاصة”.
وأضاف العلاوين أن مراكز البيانات الضخمة قد تستهلك كميات مياه للتبريد تعادلاستهلاك آلاف الأسر في حال الاعتماد على أنظمة تبريد مائية تقليدية، مبينا أن“الاستهلاك العالمي لمراكز البيانات يقدَّر بأكثر من 560 مليار لتر سنويا، مع توقعتضاعفه تقريبا بحلول العام 2030 نتيجة طفرة الذكاء الاصطناعي”.
وأشار إلى أن التأثير لا يقتصر على المياه المستخدمة مباشرة في التبريد، بل يمتد إلىما وصفه بـ “المياه غير المباشرة” التي تستهلك في إنتاج الكهرباء اللازمة لتشغيل هذهالمراكز، والتي قد تشكّل النسبة الأكبر من البصمة المائية الكلية، لا سيما عند الاعتمادعلى مصادر طاقة تقليدية كثيفة الاستخدام للمياه.
وحذّر من أنه في سياق بلد شديد الندرة المائية مثل الأردن، فإن “أي ترخيص غيرمنضبط لمراكز بيانات كثيفة الاستهلاك قد يزاحم مياه الشرب والري”، مؤكدا أنالسياسات الوقائية في هذا المجال “ليست رفاهية، بل ضرورة وطنية تمس الأمنالمائي والغذائي”.
وبيّن أن الإستراتيجية الوطنية للمياه 2023–2040 تربط إدارة الموارد المائية برؤيةالتحديث الاقتصادي والتحول الرقمي، وتركّز على كفاءة الاستخدام، وخفض الفاقد،والتوسع في التحلية والطاقة النظيفة، وتقليل الضغط على المياه الجوفية.
ولفت إلى أن قطاع المياه نفسه يشهد تحولا رقميا من خلال العدادات الذكية وأنظمةالمراقبة والتحكم والتحليلات التنبؤية بالذكاء الاصطناعي، بهدف خفض الفاقد ورفعكفاءة الشبكات، مضيفا أن “الأردن يتحرك باتجاه رقمنة قطاع المياه من جهة، ويسعىفي الوقت ذاته لجذب استثمارات رقمية كبرى من جهة أخرى، ما يستدعي دمج مراكزالبيانات في تخطيط موارد المياه والطاقة والغذاء والبيئة وربطها بالصحة والاقتصادضمن رؤية تكاملية واحدة”.
وفيما يتعلق بالإجراءات العملية، دعا العلاوين إلى تبني حزمة سياسات تشريعيةوتنفيذية واضحة، مؤكدا “ضرورة عدم استخدام مياه الشرب مباشرة في عملياتالتبريد”، عبر اشتراط الاعتماد على مياه معالجة ثلاثيا من مياه الصرف الصحي، أو إعادةاستخدام مياه صناعية وزراعية، أو التحول إلى أنظمة تبريد هوائية أو مغلقة.
كما شدد على أهمية “تحديد سقف مائي لكل مشروع”، من خلال إدخال مؤشر البصمةالمائية في رخصة أي مركز بيانات، مع وضع حدود قصوى للاستهلاك اليومي والسنويبما يتناسب مع قدرة الحوض المائي المحلي، ومن دون تعارض مع حصصالمجتمعات والمزارعين.
وأشار إلى ضرورة “ربط الترخيص بقدرة شبكة الكهرباء ومصدرها”، وتشجيع استخدامالطاقة المتجددة، خاصة الشمسية والرياح، للحد من البصمة المائية غير المباشرةالناتجة عن توليد الكهرباء التقليدية.
وأكد كذلك ضرورة تطبيق “مبدأ لا ضرر يحدث”، بحيث يلزم أي مركز بيانات كبير بتنفيذاستثمار مواز في البنية التحتية المائية المحلية، سواء عبر تحسين الشبكات أو خفضالفاقد أو تنفيذ مشاريع حصاد مياه وإعادة استخدام، لتعويض أثره على الموارد.
ودعا إلى ضرورة “اشتراط إجراء دراسات أثر مائي – طاقي”، على غرار دراسات الأثرالبيئي، لتقييم الأثر المباشر وغير المباشر على موارد المياه، وعلى المجتمعات الزراعيةوالصناعية المحيطة.
ونفى أن يكون المطلوب إبطاء مسار التحول الرقمي، بل إدارته بكفاءة، مؤكدا أن“التحدي لا يكمن في الاختيار بين الرقمنة والمياه، بل في جعل مراكز البيانات ذكية مائياأيضا، بحيث تكون جزءا من الحل لا جزءا من المشكلة في معادلة الأمن المائي الأردني”.
إيجابيات الذكاء الاصطناعي
وحول تداعيات التوسع الرقمي على الموارد الطبيعية، قدمت الخبيرة الأردنية فيدبلوماسية المياه م. ميسون الزعبي، طرحا متكاملا حول كيفية تمكين الأردن منالموازنة بين نمو الذكاء الاصطناعي وتوسع مراكز البيانات وبين الحفاظ على استدامةموارده المائية.
وأكدت الزعبي أن المملكة تعد من أكثر دول العالم معاناة من ندرة المياه، نتيجةموقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية المحدودة ونموها السكاني المتزايد، إلى جانبتفاقم الضغوط بفعل موجات اللجوء وتغير المناخ وارتفاع معدلات الهدر بسببالتسربات والتلوث.
وقالت: “بات من الضروري معالجة التحديات الكبيرة والمتزايدة المتعلقة بتوفير المياهللسكان والقطاعات الحيوية المختلفة، من خلال أساليب متنوعة تشمل تحسين ادارةموارد المياه بالاعتماد على إستراتيجيات مستدامة وتقنيات حديثة كالذكاءالاصطناعي”.
وأضافت أن توظيف الذكاء الاصطناعي في إدارة المياه، يمثل خطوة مهمة نحو رفعكفاءة استخدام الموارد المحدودة وتقليل الخسائر، وتعزيز الجاهزية لمواجهةتحديات المستقبل، مبينة أن هذه التكنولوجيا تهدف إلى تطوير أنظمة قادرة علىمحاكاة القدرات المعرفية البشرية مثل التعلم والاستدلال والاستنتاج، بما يمكنها منتحليل البيانات واتخاذ القرارات والتفاعل بذكاء مع المستخدمين.
وأوضحت أن “الذكاء الاصطناعي قادر على تحسين كفاءة استخدام المياه، عبر تطويرنماذج محاكاة وتنبؤ تساعد على توقع الطلب وتحديد المناطق المعرضة للجفاف”.
وبينت أن هذه النماذج تتيح تحليل بيانات مناخية متنوعة للتنبؤ بالاحتياجاتالمستقبلية ووضع إستراتيجي أفضل لتخزين المياه، كما تمكن من معالجة القضاياالمعقدة عبر سيناريوهات مستقبلية تدعم اتخاذ القرار المبني على البيانات.
وأشارت إلى أن أتمتة شبكات المياه تمثل أهم التطبيقات العملية، حيث يمكن عبرأجهزة الاستشعار الذكية وبرامج تحليل البيانات اكتشاف الفاقد بسرعة وتحديد موقعهبدقة، الامر الذي يقلل الخسائر ويوجه عمليات الصيانة بكفاءة.
وقالت: “هذا النهج يتيح مراقبة الموارد وتقييم الاستهلاك وتحليل بيانات الضخوسلوك المستهلك بما يدعم توزيع المياه بعدالة وكفاءة بين القطاعات”.
ولفتت إلى أن مزايا استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة المياه متعددة، أبرزها رفعكفاءة الشبكات وتقليل الفاقد من خلال الكشف المبكر وتحسين تقنيات الري، موضحةأن الأنظمة الذكية تستطيع تحليل احتياجات المحاصيل من المياه وتوزيعها وفقظروف التربة والطقس بما يخفض الهدر إلى الحد الأدنى.
كما أشارت إلى دوره في دعم التنبؤات المستقبلية وإدارة الأزمات عبر نماذج تتوقعالطلب المستقبلي في القطاعات الزراعية والصناعية والمنزلية، وهو ما يساعد صناعالقرار على التخطيط الاستباقي وتقييم المخاطر والتعامل مع أزمات الجفاف.
واضافت: “يسهم الذكاء الاصطناعي أيضا في تعزيز التعاون بين القطاعات عبر منصاترقمية مشتركة تتيح الوصول إلى معلومات حيوية حول استخدام الموارد وتقليلالهدر”.
وفي المقابل، نبهت الزعبي إلى وجود تحديات تعترض تطبيق هذه التقنيات، من أبرزهاالتكاليف المرتفعة خصوصا في تحديث البنية التحتية لمواكبة التكنولوجيا، والاعتمادالكبير على بيانات دقيقة وموثوقة، محذرة من أن البيانات غير الدقيقة أو المحدودة قدتقود إلى نماذج مضللة واستنتاجات خاطئة تفضي إلى سوء تخصيص الموارد أو اتخاذقرارات غير سليمة.
كما نبهت من مخاوف الخصوصية والاعتبارات الأخلاقية المرتبطة بجمع بياناتالاستهلاك الفردي، والحاجة إلى كوادر بشرية متخصصة قادرة على التعامل مع هذهالأنظمة.
وتابعت: “نجاح الذكاء الاصطناعي في قطاع المياه يعتمد أساسا على جودة البياناتوتوفر الخبرات البشرية المؤهلة”.
وأكدت أن ضمان عدم تأثير البنية التحتية الرقمية على الاستخدامات المنزلية أوالقطاعات الحيوية مثل الزراعة والصناعة، يتطلب تبني بنية تحتية ذكية توفر مراقبةدقيقة وإدارة فعالة للموارد بما يعزز الإنتاجية دون هدر للطاقة أو المياه، موضحة أنتحقيق ذلك ممكن عبر تقنيات إنترنت الأشياء، وتقنية سلسلة الكتل التي تحسن كفاءةالاستهلاك وتوفر دعما فنيا وخدمات رقمية مصممة خصيصا لتلبية احتياجاتالمستخدمين.
وأوضحت أن “دمج التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، يتيحالكشف الاستباقي عن التسربات وتحسين الكفاءة التشغيلية، والحد من الهدر وتحقيقإدارة مستدامة للموارد”.
وشددت الزعبي على أن هذا التحول الرقمي يعزز الأمن المائي الوطني ويخفضالتكاليف، ويرفع جودة الخدمات ويدعم الاستدامة البيئية والمالية، مبينة أن تطبيقهذه الحلول يحول البنية التحتية للمياه إلى منظومة ذكية قادرة على ضمان استدامةالموارد، وزيادة الإيرادات وتقديم حلول مبتكرة لتحديات الندرة.
وقالت: “عندما تدار المياه عبر نظام ذكي متكامل تصبح التكنولوجيا أداة حماية للمواردلا عبئا عليها”.
مسار إستراتيجي
وضمن مقاربة استشرافية تربط بين التطور التكنولوجي واعتبارات الاستدامة المائية،أكد الأمين العام الأسبق لوزارة المياه والري م. إياد الدحيات، أن الأردن يمضي، وبمتابعةملكية سامية، في مسار إستراتيجي لتوطين الذكاء الاصطناعي وتحويله من تقنيةمتخصصة إلى ركيزة أساسية في منظومة التحول الرقمي الوطني.
ولفت الدحيات إلى أن المملكة تنفذ حزمة مبادرات إستراتيجية، تستهدف توظيف هذهالتقنيات في قطاعات حيوية شملت الصحة والتعليم والزراعة والريادة والمياه، بمايسهم في تحفيز الاستثمار وتحسين جودة الخدمات الحكومية، ويعزز موقع الأردنكمركز إقليمي رئيسي لربط البيانات والتحول الرقمي والأمن السيبراني في الشرقالأوسط وشمال إفريقيا.
وقال إن هذا التوجه يستلزم توسعا ملحوظا في إنشاء مراكز البيانات التي تعالج كمياتضخمة من المعلومات عبر خوادم متقدمة، مضيفا أن التحول الرقمي الحقيقي لايكتمل دون بنية تحتية رقمية متقدمة ومراكز بيانات تمثل العمود الفقري لهذا التحول.
وحذر من أن التحدي الرئيس أمام توطين تقنيات الذكاء الاصطناعي، يتمثل فياحتياجاتها المرتفعة من المياه العذبة اللازمة لتبريد الخوادم، والتي تستهلك أيضاكميات كبيرة من الطاقة الكهربائية، موضحا أن عمليات التبريد تعتمد على تقنيات مثلالأبراج التبخيرية أو التبريد الهوائي المدعوم بالمياه لضبط درجات الحرارة، وضماناستمرارية الأداء، ومنع تعطل الأنظمة أو تلف البيانات.
وبين أن الخوادم تحتاج ما بين 1 إلى 9 لترات مياه لكل كيلوواط ساعة من الكهرباءالمستخدمة في التبريد، وهو ما يشكل تحديا كبيرا لدولة تعد من أفقر دول العالم مائياحيث لا تتجاوز حصة الفرد السنوية فيها 60 مترا مكعبا لكافة الاستخدامات.
وأشار إلى أن تقديرات وزارة الطاقة الأميركية بينت أن استهلاك مراكز البيانات فيالولايات المتحدة وحدها قد يصل إلى 3.2 مليار متر مكعب بحلول العام 2028 وهو مايعادل استهلاك مدينة بحجم لندن لمدة أربعة أشهر.
وقال: “المعادلة هنا دقيقة وقوامها كيف نحقق التحول الرقمي دون أن نضيف ضغطاغير محتمل على موارد المياه المحدودة أصلا”.
وشدد على ضرورة البدء منذ الآن بدراسة الاحتياجات المائية المستقبلية، ودمج الطلبالمتوقع ضمن خطط وموازنات قطاع المياه، مع مقارنته بالموارد المتاحة حالياوالمتوقعة مستقبلا كما وردت في الإستراتيجية الوطنية لقطاع المياه 2023 2040، لاسيما مشاريع إستراتيجية مثل الناقل الوطني للمياه، واستكشاف المياه العميقة،ومشاريع الربط الاقليمي.
وأوضح أن اعتماد مواصفات وتقنيات متقدمة لإعادة استخدام المياه وتدويرها داخلمراكز البيانات وخفض الاستهلاك بشكل ملموس، مؤكدا أن استدامة الموارد المائيةتشكل أحد أبرز محركات النمو الاقتصادي لما لها من دور في خلق فرص العمل وجذبالاستثمارات وتحقيق مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي.
وأضاف: “التخطيط المائي كان يجب أن يسير بالتوازي مع التخطيط الرقمي، لا أن يأتيلاحقا له”.
ورأى أن الذكاء الاصطناعي نفسه يشكل جزءا من الحل لا جزءا من المشكلة، إذ أتاحتطوير خطط تزويد مائي دقيقة عبر التنبؤ بالطلب بين القطاعات والمناطق الجغرافية،وتحليل ذروات الاستهلاك وسلوكيات المستخدمين والظواهر الجوية والتغيراتالمناخية، ما سمح بالكشف المبكر عن المشكلات وإجراء تعديلات تلقائية على برامجالتوزيع والتخزين والنقل، إضافة إلى إرسال تنبيهات فورية حول تحديات التزويد فيالتجمعات السكانية، الأمر الذي عزز كفاءة الاستخدام ورفع جاهزية التخطيطالاستباقي.
وقال: “عندما فهمنا الطلب على المياه بدقة استطعنا إدارتها بكفاءة أعلى وبفاقد أقل”.
كما بين أن هذه التقنيات ترفع موثوقية التزويد المائي لأغراض الشرب من خلال كشفالتسربات والاعتداءات على الشبكات في الوقت الفعلي، ما يقلل الفاقد ويخفض الكلفالتشغيلية ويزيد إيرادات شركات المياه، وبالتالي تعزيز قدرتها على الاستثمار فيالصيانة والتحديث.
وبين أنها تساهم في الحد من الهدر بعد وصول المياه إلى المنازل عبر عداداتوصمامات ذكية مرتبطة بوحدات تحكم تراقب التدفق لحظيا وتكشف الأعطال وتوقفالأجزاء المتضررة قبل تفاقمها، وهو ما يحسن كفاءة التوزيع ويقلل الأضرار المحتملة.
وزاد: “كل متر مكعب وفرناه عبر الإدارة الذكية يمثل موردا جديدا دون الحاجةلاستخراجه”.
وأوضح أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تتيح التنبؤ باتجاهات نضوب المياه الجوفيةاستنادا إلى أنماط الاستخدام والنماذج المناخية والرياضية، ما يساعد في تحديدمناطق الاستخراج الواعدة، وآليات التغذية المستدامة لها، إضافة إلى توقع توافر المياهوجودتها واتخاذ إجراءات وقائية تحد من الاستنزاف الجائر.
وأشار إلى أنه على مستوى الأحواض المائية، يمكن تطوير نماذج تنبؤية شاملة، وتعزيزكفاءة الإدارة على نطاق واسع مع مراعاة عناصر التوافر والطلب وجودة المياه والقيودالبيئية، فضلا عن دعم مراقبة استغلال الموارد المائية المشتركة إقليميا، وضمانالالتزام بالاتفاقيات ذات الصلة.
وأكد أن البيانات الدقيقة تشكل أساس الحوكمة الرشيدة للموارد المائية، لافتا إلىإمكانية توظيف هذه التطبيقات في إدارة أنظمة الري، سواء في المناطق المرتفعة أو فيوادي الأردن، من خلال دمج الزراعة مع تقنيات القياس الذكي التي رصدت مؤشراتمثل الحرارة ورطوبة التربة، ما حدد التوقيت الأمثل للري والتسميد، وقلل كميات المياهالمستخدمة مع الحفاظ على الإنتاجية الزراعية وجودة المياه. وزاد بأن الزراعة الذكيةمائيا تعني إنتاجا أعلى باستهلاك أقل.
وفيما يتعلق بالبنية التشغيلية، قال الدحيات إن البيانات تتدفق من غرف التحكمالميدانية المنتشرة في أنحاء المملكة إلى غرفة تحكم وطنية مركزية عبر شبكات اتصالوأنظمة سكادا وأدوات مراقبة دقيقة تغطي كامل مراحل إنتاج ونقل وتوزيع واستهلاكالمياه، بدءا من الآبار والسدود ومحطات الضخ والمعالجة، وصولا إلى أكثر من 15 ألفكيلومتر من شبكات الإمداد والصرف الصحي التي تعمل على مدار الساعة، وتمتدلمسافات تصل إلى 350 كيلومترا وبمناسيب ضخ تتجاوز ألف متر نتيجة بعدالتجمعات السكانية عن مصادر المياه.
وقال إن “حجم البيانات المتولدة يوميا في قطاع المياه كان هائلا، ولا يمكن التعاملمعه بكفاءة بالوسائل التقليدية”.
وشدد الدحيات على أن هذا الكم الضخم والمتنوع من البيانات يفوق قدرة أي مشغلبشري على معالجته يدويا لتكوين صورة تشغيلية دقيقة، واتخاذ قرارات تصحيحيةفورية، ما يفرض تحديات في إدارة أنظمة التشغيل وضمان الاستمرارية خلال الطوارئ،وإعادة توزيع المياه بين المحافظات، والتنبؤ بسلوك الشبكات وتغير الطلب.
وأكد ضرورة تصميم وتطبيق أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة تعالج البيانات وتحولها إلىمعلومات قابلة للاستخدام، بما يمكن صناع القرار على مختلف المستويات من اتخاذقرارات فورية مبنية على نماذج دقيقة، ورفع موثوقية الخدمة عبر تطوير النماذجالتشغيلية، وتعزيز التحليل والكشف المبكر عن الأعطال، ووضع سيناريوهات استباقيةلمعالجتها.
ولفت إلى أن “الاستثمار في الذكاء الاصطناعي المائي لم يكن ترفا تقنيا بل ضرورةإستراتيجية للأمن المائي الوطني”.
وتشير التقديرات إلى أن الطلب العالمي على المياه المرتبط بالذكاء الاصطناعي قديتراوح بين 4.2 و6.6 مليار متر مكعب سنويا بحلول العام 2027.
كما أن أكثر من ثلث البنية التحتية العالمية لمراكز البيانات يتركز في مناطق تعاني أصلامن ندرة مائية، ما يعني أن التكنولوجيا التي يعوّل عليها لدفع التنمية قد تتحول، إذاأسيء تخطيطها، إلى منافس مباشر لمياه الشرب والري والصناعة.(الغد)