التنمية ورأس المال الاجتماعي
د.زينا محمد الكركي
بالرغم من كثرة المؤسسات والمنظمات الوطنية والدولية العاملة في التنمية المجتمعية في الأردن، وتنوع مشاريعها وبرامجها، يظل المشهد التنموي في المحافظات، بعيدًا عن العاصمة، بحاجة إلى دراسة أعمق وتطوير أكثر جرأة.
فالمشكلة لا تكمن في نقص المشاريع، بل في الطريقة التي ننظر بها إلى المجتمعات نفسها.
وفي كثير من الأحيان، تتعامل برامج التنمية مع المجتمعات المحلية وكأنها تحتاج إلى تدخل خارجي أو حلول جاهزة، متجاهلة واحدًا من أهم مواردها : رأس المال الاجتماعي. هذا المفهوم، الذي تحدث عنه عالم الاجتماع Robert Putnam، يشير إلى شبكات الثقة والعلاقات والتعاون بين الناس، والتي تشكل أساسًا خفيًا لكنه قوي لقدرة المجتمعات على التماسك والتطور.
في المحافظات الأردنية، نرى هذا النوع من رأس المال الاجتماعي حاضرًا بوضوح. العائلة والحارة والعشيرة توفر شبكات دعم قوية للأفراد، وتشكل قوة اجتماعية تعزز الانتماء والمسؤولية المشتركة. روابط نادرة ما نجدها بنفس القوة في المدن الكبرى، لكنها كثيرًا ما تُهمل في برامج التنمية، وكأنها غير موجودة.
غالبًا ما تبقى التنمية في إطار سطحي: ورش عمل، تدريبات قصيرة، مشاريع مؤقتة، دون أن تلامس الجوهر الاجتماعي الذي يربط الناس بمكانهم وببعضهم البعض. والنتيجة أن طاقة المجتمع الكامنة تظل غير مستثمرة، على الرغم من قوتها الهائلة.
نشأتي كانت في مدينة الكرك الأبية، وقد رأيت كيف تتحول العائلة أو الحي او الجيرة إلى شبكة دعم تلقائية. هذه الروابط الحيوية لم تكن تُسمّى يومًا “رأس مال اجتماعي”، لكنها كانت حاضرة في كل تفاصيل الحياة اليومية، تمنح الناس شعورًا بالأمان والانتماء.
اليوم، ومع الانقطاع المتزايد لتمويل كثير من المشاريع الأجنبية، أصبح من الضروري إعادة النظر في نموذج التنمية. حان الوقت للنظر إلى الداخل، إلى ما تملكه مجتمعاتنا من طاقات وعلاقات، وإعادة تقييم بيتنا الداخلي. فحين تُبنى التنمية على أساس ما هو موجود بالفعل في المجتمع، تصبح أكثر رسوخًا واستدامة.
ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع عملي، يمكن البدء بعدة خطوات واضحة للتنمية المستدامة في المحافظات:
الاستثمار في العائلات والاحياء والمجتمعات المحلية: دعم المبادرات التي تبني على شبكات الثقة والعلاقات الاجتماعية بدلًا من مشاريع مؤقتة.
تعزيز التعليم والتدريب المهني المحلي: ربطه باحتياجات المجتمع الحقيقية، والميزة النسبية لكل مدينة مع التركيز على الشباب والنساء كمحرك للتغيير.
دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة المحلية: والتي تستفيد من الموارد المحلية وتخلق فرص عمل مستدامة دون الاعتماد الكامل على تمويل خارجي.
تفعيل المشاركة المجتمعية في التخطيط واتخاذ القرار: ضمان أن يكون لكل فرد صوت في تحديد أولويات التنمية، لتعزيز الانتماء والمسؤولية المشتركة.
إن التنمية الحقيقية لا تبدأ من المشاريع أو البرامج فحسب، بل تبدأ من فهم المجتمع نفسه، من الانتماء المتبادل بين أفراده، ومن استثمار القوة الكامنة في شبكات الثقة والتضامن.
ربما يكون السؤال الأكثر بساطة والأكثر أهمية الآن: ما الذي يملكه المجتمع أصلًا من قوة يمكن البناء عليها؟ فأحيانًا، تكون أهم موارد التنمية موجودة بالفعل لكننا لم نتعلم بعد كيف نراها!.الغد