جدل داخلي في إيران بعد اعتذار بزشكيان لدول الجوار
العقبة الإخباري – أثار اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للدول المجاورة عنالهجمات التي طالت بعض أراضيها، وتعهدّه بوقف استهدافها ما لم تُستخدم أراضيتلك الدول لشن هجمات على إيران، جدلاً سياسياً واسعاً داخل مؤسسات الحكم فيطهران.
وتباينت ردود الفعل بين انتقادات حادة من نواب وبرلمانيين، ومواقف عسكريةوقضائية شددت على استمرار استهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة،في وقت تمر فيه إيران بمرحلة سياسية حساسة بعد مقتل المرشد علي خامنئي.
وفي حين حاول بزشكيان تقديم اعتذاره بوصفه رسالة سياسية تهدف إلى طمأنة دولالجوار وتجنب توسيع رقعة المواجهة، اعتبر منتقدوه أن الخطاب ينطوي على «تنازلغير مبرر في خضم حرب مفتوحة».
وأعادت تصريحات صادرة عن قيادات عسكرية وقضائية التأكيد على أن أي قاعدة أومصلحة أميركية أو إسرائيلية تُستخدم ضد إيران ستظل هدفاً مشروعاً، حتى لو كانتعلى أراضي دول أخرى في المنطقة.
وبذلك تحول اعتذار الرئيس الإيراني من خطوة دبلوماسية لاحتواء التوتر الإقليمي إلىمحور سجال داخلي يعكس تبايناً في تفسير حدود الحرب وآليات إدارتها، في أوضحمؤشر على تباين داخل مؤسسات الحكم بشأن حدود الهجمات الإقليمية وتوصيفها.
وبعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، تولى مجلس قيادة مؤقتاً مهامه. ويتألفالمجلس من بزشكيان ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وعضو منمجلس صيانة الدستور علي رضا أعرافي.
وكان بزشكيان قد قال في رسالة متلفزة إن مجلس القيادة المؤقت قرر عدم استهدافدول الجوار وعدم إطلاق صواريخ عليها، إلا إذا تعرضت إيران لهجوم من أراضي تلكالدول. وأضاف: «أعتذر باسمي وباسم إيران للدول المجاورة التي هاجمتها إيران»،مؤكداً أن طهران لا تنوي الاعتداء على أي دولة.
وقال بزشكيان في رسالته إن «الحرس الثوري» تصرف خلال الأيام الماضية «بقرارميداني» بعد مقتل قادة كبار والمرشد في بداية الحرب.
لكن هذا الموقف قوبل سريعاً باعتراضات داخلية. وزاد رئيس السلطة القضائية غلامحسين محسني إجئي حدة هذا الاتجاه، حين قال إن الأدلة لدى القوات المسلحةالإيرانية تشير إلى أن «جغرافيا بعض دول المنطقة وُضعت علناً أو سراً في خدمةالعدو، وأن هذه المناطق تُستخدم للعدوان على إيران». وأضاف أن «الهجماتالشديدة على هذه الأهداف ستستمر»، مضيفاً أن هذه الاستراتيجية قيد التنفيذ حالياًوأن الحكومة وسائر أركان النظام متفقة عليها.
وفي موازاة هذا السجال السياسي، جاء خطاب المؤسسة العسكرية أقل ميلاً إلىالتهدئة. فقد أعلنت قيادة مقر «خاتم الأنبياء»، غرفة العمليات المشتركة باسم هيئةالأركان، رغم تأكيدها أنها «لم تقم بأي اعتداء» على الدول المجاورة حتى الآن، أنجميع القواعد والمصالح التابعة للولايات المتحدة وإسرائيل في البر والبحر والجو فيالمنطقة ستظل أهدافاً رئيسية للقوات المسلحة الإيرانية.
وجاء في بيان القيادة أن القوات المسلحة «تحترم مصالح وسيادة الدول المجاورة ولمتقم بأي اعتداء عليها حتى الآن»، لكنها أكدت أنه في حال استمرار الإجراءات الهجومية،فإن جميع القواعد العسكرية والمصالح التابعة للولايات المتحدة و«الكيانالصهيوني» في المنطقة ستتعرض لضربات قوية من القوات المسلحة للجمهوريةالإسلامية.
كما قال المتحدث باسم مقر «خاتم الأنبياء» إن أي نقطة تنطلق منها الهجمات ضدإيران ستُعد هدفاً مشروعاً، مضيفاً أن أي محاولة للدخول إلى المنطقة «ستنتهيبالوصول إلى قاع الخليج»، وأن طهران «لن تتراجع» في مواجهة الولايات المتحدةوإسرائيل.
برلمانياً، كتب محمد منان رئيسي، نائب مدينة قم في البرلمان، أن «الاعتذار الغريبلرئيس الجمهورية إلى الدول المجاورة يبعث على الأسف»، مخاطباً بزشكيان: «متىسيحين وقت اعتذارك للشعب الإيراني بسبب هذه المواقف المذلّة؟». وتابع أن«الحجة قامت على مجلس خبراء القيادة، وإن الإعلان عن قائد جديد أمر عاجل»،معتبراً أن «تصريحات بزشكيان المذلّة تظهر أن على مجلس الخبراء اختيار قائد جديدفي أقرب وقت ممكن».
ومضى رئيسي أبعد من ذلك قائلاً: «أليس صحيحاً أن الدول المجاورة وضعت أراضيهاوممتلكاتها وفنادقها في خدمة أعدائنا؟ وهل لم يكن ينبغي لقواتنا العسكرية أن تهاجمهذه القواعد وممتلكات العدو حتى تعتذر الآن بهذا الشكل المذل؟».
وكتب النائب المحافظ جلال رشيدي كوشي على منصة «إكس»: «مع كامل الاحترام،سيادة الرئيس، يقدم الاعتذار عندما يرتكب خطأ… لكننا لم نرتكب أي خطأ». واتهمالنائب الرئيس الإيراني بالافتقار إلى الحزم في رسالته، معتبراً أنها بدت ضعيفة من حيثالنص وطريقة التعبير وحتى لغة الجسد.
وفي الاتجاه نفسه، قالت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، إن دول المنطقة مطالبةبالامتناع عن وضع أراضيها وإمكاناتها في خدمة أي عدوان عسكري ضد إيران. وأوضحت أن القانون الدولي يمنع استخدام أراضي الدول بصورة مباشرة أو غير مباشرةللإضرار بدول أخرى، مشيرة إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 بشأنتعريف العدوان العسكري.
وأضاف البيان أن الدول التي يُستخدم إقليمها لشن عدوان عسكري ضد دولة ثالثةتتحمل مسؤوليات قانونية دولية، بما في ذلك التعويض عن الأضرار المباشرة وغيرالمباشرة. كما أكدت الوزارة أن الجمهورية الإسلامية اضطرت، في إطار «حقها الأصيلوالطبيعي» في الدفاع عن نفسها، إلى تنفيذ عمليات دفاعية ضرورية ومتناسبة ضدقواعد ومنشآت المعتدين في المنطقة.
وشدد البيان على أن العمليات الدفاعية الإيرانية تستهدف الأهداف والمنشآتوالإمكانات التي تشكل مصدر ومنطلق الأعمال العدوانية ضد الشعب الإيراني، أو التيتوضع في خدمة مثل هذه الأهداف. وأشار إلى أن دول المنطقة أدركت أن القواعدالأميركية الموجودة على أراضيها لم تسهم في تعزيز أمن المنطقة، بل استُخدمت لدعم«المعتدين الأميركيين والكيان الصهيوني».
واختتمت وزارة الخارجية بيانها بالتأكيد على أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية حريصةعلى الحفاظ على العلاقات الودية مع دول المنطقة وتطويرها على أساس الاحترامالمتبادل ومبدأ حسن الجوار واحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، مؤكدة أنالعمليات الدفاعية الإيرانية ضد القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية في المنطقة لاينبغي تفسيرها على أنها عداء أو خصومة مع دول الجوار.
وفي خضم هذا الجدل، دخل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف على الخط، فكتب علىمنصة «إكس» أن السياسات الدفاعية للجمهورية الإسلامية «ثابتة» وتستند إلى«مبادئ»، مضيفاً: «ما دامت توجد قواعد أميركية في المنطقة فإن دولها لن ترىالاستقرار». كما أشار إلى أن «جميع المسؤولين والشعب متحدون حول هذا المبدأ».
في المقابل، سعت الرئاسة الإيرانية إلى احتواء الانتقادات وتوضيح موقف الرئيس. فقدقال مهدي طباطبائي، مسؤول دائرة العلاقات العامة في الرئاسة الإيرانية، رداً علىالانتقادات الداخلية لاعتذار بزشكيان، إن «رسالة الرئيس واضحة: إذا لم تتعاون دولالمنطقة مع الهجوم الأميركي على إيران فلن نهاجمها». وأضاف في منشور على منصة«إكس» أن «الجمهورية الإسلامية لن ترضخ للضغوط، وقواتنا المسلحة سترد بحزم،وفق قواعد الاشتباك، على أي اعتداء ينطلق من قواعد أميركية».الشرق الأوسط