إصلاح الضمان يبدأ باستعادة الثقة

8

عامر الشوبكي

الضمان الاجتماعي ليس جدولاً حسابياً يُعاد ضبطه كلما اختلّت المعادلة. هو عقداجتماعي بين الدولة والمواطن، ومدخرات عمر لا تحتمل التجريب أو المعالجاتالمؤقتة. التعديلات المطروحة اليوم تنطلق من منطق اكتواري رقمي يركّز على ضبطالعجز المستقبلي، لكنها تتجاهل العامل الأخطر: ثقة المشتركين. وأي نظام تقاعدييفقد الثقة يبدأ بالتآكل من الداخل مهما كانت أرقامه منضبطة على الورق.

المشكلة لا تتعلق فقط برفع سنّ التقاعد أو بالتطبيق المتدرّج بعد عام 2030، بلبالرسالة التي تصل إلى المشترك اليوم. عندما يشعر الآلاف بأن أفق الاستفادة يتقلّص أويتغيّر، فإن القرار الاقتصادي الطبيعي سيكون وقف الاشتراك أو سحب الحقوق. وأيموجة انسحاب جماعيحتى وإن كانت محدودةستضغط مباشرة على إيراداتالصندوق، وتُسرّع اختلالاته بدلاً من معالجتها. وأخطر ما يواجه صناديق التقاعد هواهتزاز الثقة، وليس العجز المالي.

لكن الخلل أعمق من تعديل تشريعي. جزء من استثمارات الصندوق لا يحقق العائدالمأمول، نتيجة قصور رقابي، وضعف في دراسات الجدوى، ومحدودية المعاييرالصارمة في اختيار المشاريع وتقييمها. كما أن آليات اتخاذ القرار تحتاج إلى تعزيزالمؤسسية الفعلية والشفافية الكاملة، بحيث تخضع الاستثمارات لمعايير احترافيةدقيقة تحكمها الكفاءة والمصلحة العامة فقط. قإصلاح الضمان يبدأ بإصلاح الحوكمة.

وفوق ذلك، فإن أكثر من نصف موجودات الصندوق مستثمرة في أدوات دين تقليديةمنخفضة العائد، وفي مقدمتها السندات والدين الحكومي، بعوائد تقتصر عملياً علىالفائدة المالية دون تعظيم حقيقي للقيمة على المدى الطويل. أي صندوق تقاعدمستدام يعتمد على العائد المركب طويل الأجل، لا على تدوير الأموال في أدواتمحدودة النمو. استمرار هذا النمط يعني تقييد قدرة الصندوق على تحقيق نمو حقيقييعزز استدامته.

الإصلاح الحقيقي يبدأ بثلاثة مسارات متوازية: استعادة الثقة، وتعزيز الحوكمة والرقابة،وتعظيم العائد الاستثماري بكفاءة واحتراف.

والاكتفاء برفع سن التقاعد أو بتقييد التقاعد المبكر، او بإعادة ضبط الأرقام دونمعالجة جذور الخلل، فسيؤجل الأزمة ويخدّر الأعراضلكنه لن يمنع الخطر ولنيعالج المرض.

“باحث اقتصادي متخصص في شؤون الطاقة”

قد يعجبك ايضا