عزوف الشباب عن الزواج… من المسؤول؟
رغد البطيخي
لم يعد الحديث عن تأخر سنّ الزواج مجرد شكوى عابرة في جلسة عائلية، بل أصبح واقعاً يعيشه كثير من الشباب والفتيات. شاب يقترب من الثلاثين، يحمل شهادة جامعية، وربما يعمل براتب محدود، يقف أمام قرار الزواج وكأنه أمام مشروع يفوق طاقته.
أحد الشباب: يقول :
«عندما قررت الزواج كنت أظن أن الخطوة الأصعب هي الاختيار، لكنني اكتشفت أن الأصعب هو الحساب. مقدم، مؤخر، ذهب، حفل، إيجار، وتأثيث… أرقام تتضاعف أمامي حتى صارت أكبر من قدرتي بكثير. كيف أبدأ حياتي شريكًا وأنا أبدأها مديونًا؟ كنت أبحث عن استقرار، لا عن عبءٍ يثقل كاهلي من اليوم الأول.»
وشاب آخر يقول:
«أهلي مستعدون لتزويجي، لكنني عاطل عن العمل. تخرجت ولم أجد وظيفة مناسبة. هل من المنطق أن أكون أنا وزوجتي عالة على أهلي؟»
وفي المقابل، تقول فتاة في العشرينات:
«يتهموننا بأننا من نغالي في المهور، لكن الزواج فرحة العمر. نحن لا نطلب المستحيل،ونستطيع أن نشارك في بناء الحياة، لكننا نريد رجلًا يتحمل المسؤولية.»
وبين هذه الأصوات تظهر الحقيقة: المشكلة ليست في طرف واحد.
دراسات حديثة وتقارير صادرة عن جهات دولية مثل البنك الدولي ومنظمة العملالدولية تشير إلى أن بطالة الشباب في المنطقة العربية من الأعلى عالميًا، وأن ضعفالاستقرار الوظيفي يؤخر قرارات الزواج وتكوين الأسرة. وفي دراسة اجتماعية أُجريتعلى عينة من الشباب، تبيّن أن أكثر من نصف المشاركين يؤجلون الزواج بسبب التكاليف المادية وارتفاع الإيجارات وأسعار السكن.
الواقع يقول إن الشاب اليوم لا يخاف من الزواج، بل من أعبائه.
الإيجارات مرتفعة، الشقق بفوائد عالية، الرواتب محدودة، والأسعار في ازدياد. ومع كلذلك، يبقى ضغط المجتمع حاضرًا: حفل كبير، قاعة فخمة، ذهب كثير، وصورة مثالية تشبه حفلات الأميرات.
أحيانًا تكون الفتاة ضحية هذه التوقعات مثل الشاب تمامًا.
وأحيانًا يكون الأهل هم من يرفع سقف المطالب خوفًا من كلام الناس.
وأحيانًا يبالغ الشباب أنفسهم في تصورهم لشكل الحياة التي يريدونها قبل أن يبدأوا.
تتداخل الأسباب المادية مع النفسية والاجتماعية، فيتأخر القرار عامًا بعد عام، حتى يصبح التأجيل عادة، والعزوف واقعًا.
السؤال ليس من نلوم، بل كيف نسهّل الطريق.
كيف نعيد للزواج معناه الحقيقي بعيدًا عن المظاهر؟
كيف نجعل البداية بسيطة حتى تستمر الحياة بكرامة؟
الزواج ليس صفقة، ولا استعراضًا اجتماعيًا، بل مشاركة وسند.
وما دام الواقع الاقتصادي صعبًا، وما دامت التوقعات أعلى من الإمكانات، فسيظل كثيرمن الشباب واقفين عند عتبة القرار… يفكرون، ويترددون، ويؤجلون.